حين تتحوّل الذاكرة إلى مشروع وطني
الآراء 11:07 AM - 2026-07-02
PUKMEDIA
عباس عبدالرزاق
قراءة فلسفية ونقدية في كتاب «جمرةٌ تحت الرماد»«كڵپەی ژێر خۆڵەمێش» لـ شيخ جعفر شيخ مصطفى.
ليست كلّ كتب المذكرات تُكتب كي تُروى؛ فثمة كتبٌ تُكتب لإعادة تشكيل الوعي من داخله، وتُولَد من رحم الضرورة لا من فراغ الفضول. ومن هذا الصنف النادر يأتي كتاب «جمرةٌ تحت الرماد» «كڵپەی ژێر خۆڵەمێش» الذي أعدّه كيوان سعيد؛ إذ لا يقترح على قارئه سيرةً ذاتية تقليدية لقائد بيشمركة أو شاهدٍ على مرحلة مضطربة من تاريخ الحركة الكردية، بل يذهب أبعد من ذلك وأعمق: نحو تحويل الذاكرة الفردية إلى بنية تحليل سياسي وفلسفي، ونحو مساءلة عميقة لفكرة الثورة نفسها في أصولها ومساراتها وما تُخلّفه من ركام روحي وسياسي.
الذاكرة بوصفها فعل مقاومة
منذ صفحاته الأولى، يُعلن الكتاب انحيازه الصريح إلى «التاريخ التحليلي» في مواجهة «التاريخ التمجيدي»، وهو موقف نادر في أدبيات الذاكرة السياسية في منطقة الشرق الأوسط. فالمؤلف لا يكتفي باستعادة الوقائع وترتيبها في سرد متتابع، بل يسعى إلى تفكيك منطقها الداخلي، والبحث في أسباب الإخفاق بالقدر ذاته الذي يتوقف عنده أمام لحظات البطولة. ولهذا يبدو النص في مجمله أقرب إلى مراجعة وجودية لتجربة جيلٍ كامل، عاش بين وهج الحلم القومي وعتمة الخيبات الجغرافية والسياسية.
وفي مقدمته، ثمة وعيٌ حادّ بخطورة ضياع الذاكرة الكردية؛ ليس بفعل الزمن وحده، بل بسبب السرديات الرسمية التي طالما أعادت كتابة التاريخ على مقاس مصالح القوى المنتصرة ونزواتها. لذلك تتحوّل الكتابة هنا إلى فعل مقاومة مزدوج: مقاومة للنسيان، ومقاومة للتزييف في آنٍ معاً.
ومن أكثر العبارات إضاءةً في النص تلك التي يقول فيها المؤلف:
«تفەنگەکانمان تەنها بۆ ئەوە نەبوو دوژمن بشکێنین، بەڵکو بۆ ئەوە بوو ئاوێنەیەک دروست بکەین کە چیتر خۆمانی تێدا نەشکێنینەوە»
«لم تكن بنادقنا مجرّد وسيلةٍ لكسر العدو، بل كانت محاولةً لصنع مرآةٍ لا نعود ننكسر فيها أمام ذواتنا.»
فهذه الجملة ليست مجرد استعارة بلاغية معزولة، بل تلخيصٌ مكثف لفلسفة النص بأكمله؛ إذ لا يُقدَّم السلاح هنا بوصفه أداة حرب فحسب، بل بوصفه محاولة لبناء مرآة أخلاقية لا ينكسر فيها الإنسان وهو يقاتل، ولا تتشقق هويته في خضمّ المعارك. هذه الجملة وحدها كافية لتأكيد أن الكتاب لا يتحرك داخل خطاب تعبوي تحريضي، بل داخل رؤية إنسانية ترى أن المأساة الكبرى ليست الهزيمة العسكرية وإن فداحتها، بل تحطّم الذات أثناء النضال وانكسارها من الداخل.
من الأنا إلى النحن
مسار التشكّل الجماعي
تُشكّل الأنثروبولوجيا الفلسفية للانتماء إحدى الأفكار المحورية التي يشتغل عليها النص؛ إذ يرصد المؤلف بدقة تحوّلَ الإنسان من كائن يبحث عن حياة عادية ومألوفة، إلى ذات سياسية تنتمي إلى قضية أكبر منها وتتجاوزها. هذا التحول يستحضر في بنيته الفكرية أدبيات الثورات الكبرى التي رأت أن الهوية السياسية لا تُولد من الأيديولوجيا وحدها، بل تُستلّ من رحم الألم المشترك.
فالجبال، والحصار، والثلج، والجوع التي تملأ صفحات الكتاب ليست مجرد تفاصيل ميدانية أو توثيقاً لظروف قتالية، بل هي أدوات لإعادة صياغة الإنسان الكردي بوصفه «جماعة مصير» تتشكّل هويتها في المحنة، وتتصلّب في مواجهة الفناء.
غير أن أهمية الكتاب الأعمق تكمن في كونه لا يسقط في الرومانسية الثورية السهلة. فهو يعترف، بوضوح نادر وجرأة لافتة، بأن تاريخ الحركات التحررية ليس ناصعاً بالكامل، وأن الأخطاء الاستراتيجية والسياسية ليست استثناءات طارئة بل جزء عضوي من تكوين التجربة نفسها. وبهذا يكتسب النص شجاعة فكرية حقيقية، إذ يرفض تحويل التاريخ إلى أسطورة مغلقة لا تقبل المساءلة ولا تتسع للشك.
الواقعية السياسية
في مواجهة عاطفة الضحية
ربما تكون أجرأ مقاطع الكتاب تلك التي يناقش فيها المؤلف منطق «الريال بوليتيك»، حين يؤكد بصراحة لا تخلو من مرارة أن العالم لا يتحرك وفق الأخلاق بالقدر الذي يتحرك وفق المصالح. ويستشهد بصمت العالم أمام المآسي الإنسانية المتكررة ليصل إلى خلاصة قاسية: أن المظلومية وحدها، مهما بلغت شدتها وفداحتها، لا تصنع مشروعاً قومياً قادراً على البقاء والتأثير.
هذه الرؤية تمنح الكتاب بُعداً فكرياً يتجاوز السياق الكردي إلى أفق أرحب؛ إذ يتناول الأزمة البنيوية للحركات القومية في الشرق الأوسط عموماً، متسائلاً: كيف تتحول التضحيات الكبرى إلى مادة عاطفية وبكائيات جماعية، دون أن تُنتج مشروعاً سياسياً ناضجاً قادراً على التفاوض مع العالم بلغة المصالح، لا بلغة الجراح وحدها؟ إنها قراءة قاسية لا شك، لكنها في القسوة ذاتها تكشف عن ضرورتها.
اللغة:
بين الوثيقة والأدب
يستأثر الأسلوب في هذا الكتاب باهتمام خاص. فالنص لا يكتب باللغة العسكرية الجافة التي تألفها هذا النوع من المذكرات، بل بلغة سردية ذات نفَس تأمّلي واضح، تعتني بالصورة والإيقاع والتوتر الداخلي للجملة. ولهذا يجد القارئ نفسه أحياناً أمام رواية سياسية ذات نزوع فلسفي، أكثر مما هو أمام مذكرات توثيقية تقليدية.
بيد أن هذه الميزة لا تخلو من توتر داخلي؛ إذ إن النزعة التأملية المكثّفة قد تُبطئ السرد في بعض مقاطعه، وتجعل فصولاً بعينها أقرب إلى المقالات الفكرية منها إلى شهادة الذاكرة الحية بدفقها وعفويتها. ومع ذلك، فإن هذا «الثقل التأملي» هو بالذات ما يمنح النص فرادته الأسلوبية، ويبعده عن النمط التوثيقي المعتاد الذي يحصر الكتابة في حدود الأرشيف.
التاريخ بوصفه
سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً
اللافت أن الكتاب لا يتعامل مع التاريخ كأرشيف جامد ومختوم، بل كسؤال أخلاقي مفتوح على الراهن ومتشعّب في دلالاته. ولذلك تتكرر في صفحاته فكرة «الاعتراف بالخطأ» بوصفها شرطاً أوّل للنضج السياسي لا منقصةً منه.
وهنا بالتحديد يكتسب الكتاب أهمية استثنائية للأجيال الجديدة؛ لأنه لا يُقدّم البطولة بوصفها منزّهة عن النقيصة، بل بوصفها تجربة بشرية قابلة للخطأ والانكسار والمراجعة. وبهذا المعنى، تتجاوز المذكرات بُعدها الشخصي لتصبح نوعاً من «العلاج الجماعي» لذاكرة سياسية مثقلة بطبقات الصدمات والهزائم المتراكمة.
خاتمة: ما الذي يُضيفه هذا الكتاب؟
تكمن أهمية «كڵپەی ژێر خۆڵەمێش» في أنه يحاول نقل الكتابة الكردية نقلة نوعية: من مرحلة «تمجيد الثورة» إلى مرحلة «تفكيك الثورة»، ومن صنم الأسطورة إلى مرونة النقد. وهذا انتقال بالغ الدلالة، لأن الكتب التي تؤسّس للذاكرة الوطنية كثيراً ما تقع في فخ التقديس والمناعة من الشك، بينما يصرّ هذا النص على الاحتفاظ بمسافته النقدية دون أن يفقد وفاءه للتجربة ولمن حملوها.
إنه كتاب يتناول:
١- الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية لا مجرد استرجاع،
٢- والهزيمة بوصفها درساً لا جرحاً يُستدرّ به العطف،
٣- والهوية بوصفها سؤالاً مفتوحاً لا إجابة جاهزة،
٤- والتاريخ بوصفه مادة للمراجعة والتجاوز، لا للاحتفال والتكرار.
ولهذا كله يبدو الكتاب أقرب ما يكون إلى شهادة جيلٍ كامل يقف اليوم أمام مرآة ذاته، يحاول أن يفهم بصدق: ماذا ربح؟ وماذا خسر؟ وماذا بقي من الحلم الأول؟
في نهاية المطاف، لا يُقرأ هذا الكتاب وثيقةً سياسية فحسب، بل يُقرأ أثراً إنسانياً بامتياز؛ أثرٌ يكتب سيرة شعبٍ عاش طويلاً بين الجبل والمنفى، بين البندقية والتساؤل، وبين الأمل وخيبة العالم.
المزيد من الأخبار
-
مجلس النواب: ندعو الحكومة إلى عدم التهاون في فتح ملفات الفساد الكبرى
08:52 PM - 2026-07-02 -
قتلى وإصابات جراء انفجار داخل مقهى في دمشق
04:14 PM - 2026-07-02 -
مجلس النواب يستأنف جلساته بعد انتهاء العطلة التشريعية
11:13 AM - 2026-07-02 -
طقس العراق.. غبار واستقرار في درجات الحرارة
10:57 AM - 2026-07-02
شاهد المزيد
کوردستان 05:26 PM - 2026-07-02 توقيع الاتفاق بين الاتحاد الوطني والجيل الجديد: خدمة الشعب وإعادة التوازن
لطيف نيرويي: تحالف التوازن والازدهار يخدم المصالح العليا ويثمر عن انتعاش اقتصادي وخدمي
01:44 PM - 2026-07-02
المصادقة على حكم الإعدام بحق المجرم عجاج بعد إدانته بارتكاب جرائم بحق ضحايا الأنفال
12:59 PM - 2026-07-02
قطر تعلن إحراز تقدم إيجابي في المحادثات بين أميركا وإيران
09:48 AM - 2026-07-02
الرئيس بافل: نواصل دعم عملية السلام لتعزيز التعايش وترسيخ استقرار المنطقة
10:07 PM - 2026-07-01
الأكثر قراءة
-
توقيع الاتفاق بين الاتحاد الوطني والجيل الجديد: خدمة الشعب وإعادة التوازن
کوردستان 05:26 PM - 2026-07-02 -
الرئيس بافل: نواصل دعم عملية السلام لتعزيز التعايش وترسيخ استقرار المنطقة
کوردستان 10:07 PM - 2026-07-01 -
نائب رئيس الإقليم يشيد بجهود مكافحة الإرهاب في ترسيخ الأمن والاستقرار في كوردستان
کوردستان 08:30 PM - 2026-07-01 -
لطيف نيرويي: تحالف التوازن والازدهار يخدم المصالح العليا ويثمر عن انتعاش اقتصادي وخدمي
کوردستان 01:44 PM - 2026-07-02 -
مجلس النواب يستأنف جلساته بعد انتهاء العطلة التشريعية
العراق 11:13 AM - 2026-07-02 -
المصادقة على حكم الإعدام بحق المجرم عجاج بعد إدانته بارتكاب جرائم بحق ضحايا الأنفال
کوردستان 12:59 PM - 2026-07-02 -
حين تتحوّل الذاكرة إلى مشروع وطني
الآراء 11:07 AM - 2026-07-02 -
قتلى وإصابات جراء انفجار داخل مقهى في دمشق
العالم 04:14 PM - 2026-07-02







تطبيق

