نهر الزَّلم وكربلاء

الآراء 11:00 AM - 2026-06-24
كاروان أنور PUKMEDIA

كاروان أنور

حلبجة

قال المؤرخ المسعودي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إن الكورد ،على حد زعمه ،من أصل الجن ونسله ، فلا تزوجوهم منكم ولا تتزوجوا منهم،غير أن أهالي حلبجة دحضوا مزاعم  هذا المؤرخ العباسي بالأدلة والوقائع.
مرحى  لمدينة حلبجة وأهلها، فكما في كل مرة، فهذه المرة أيضا أثبتتم للعالم و بالدليل أن الكوردي ليس إنساناً عاديا  فحسب، بل  هو إنسان عظيم ومحب للإنسانية،فكيفما  كان الانتماء إلى الكورد عبر التاريخ أمراً شاقاً ومليئاً بالمحن، لكنكم كنتم  ولازلتم مصدر فخر للشعب والأمةدائما .
إن ما جرى للطفلة الغريقة في (نهر الزلم )لم تكن حادثة عابرة، بل كانت رسالة وموعظة وعبرة للإنسانية جمعاء، ولكل شعوب الأرض. كانت رسالة قصيرة، لكنها وصلت إلى الإخوة في الإنسانية في أنحاء العالم كافة، متجاوزة جميع حدود العالم المعاصر،فقد وصلتني عشرات المقالات والرسائل من إيران ومصر ولبنان ومن جميع  أصدقائي في مختلف أنحاء العراق، وكلها مملوءة بالإشادة والشكر والامتنان. وخلال الأيام الماضية كُتبت آلاف الكلمات الجميلة في الثناء على رحمة الكورد وإنسانيتهم، ونُشرت نصوص كثيرة تمجّد الشعب الكوردي. كانت كلمات صادقة وجميلة، تحمل رسائل نابعة من أعماق شعوب أخرى. وهذا إنما يعكس صدق وجمال ووحدة صوت أهالي حلبجة، ويجسّد جانباً من سلوك الكورد وأخلاقهم أمام أولئك الذين لم يكونوا يعرفونهم كما يعرفون أنفسهم. لقد عرّفت حلبجة العالم على إنسانية الكورد، وقدّمتها نموذجاً جديداً للفكر الإنساني.
أما الذين نظروا إلى حلبجة من خلال مأساة رقية و(نهر الزلم) وكربلاء فقط، فقد رأوا فيها مشهداً من التعاطف والرحمة والمحبة الإنسانية، لكن لو عرفوا تاريخ التعايش والقوانين والأعراف الراسخة في (ٍشەهرەزور)، (هەورامان)، ولو أدركوا أن مدينة جلبجة  كانت نموذجاً ومصدر إلهام لكل الثورات والحركات والنهضات الفنية والثقافية والرياضية، وأنها كانت منبعاً للتصوف وال (َتكايا) وأهل الزهد، ومركزاً لليساريين والشيوعيين والليبراليين، وأرض أول مفارز الثورة الكوردية الحديثة التي واجهت بسبع بنادق صدئة أقوى جيوش العالم وقدمت أول شهيد للثورة الجديدة؛ ولو عرفوا أن حلبجة كانت حديقة أمراء المثقفين الكورد وأصحاب الأقلام والعلماء الدينيين أمثال (مصطفى الزلمي ) و(الملا عبد الكريم المدرس)، وأنها كانت صومعة قامات الشعر (نالي) و (مەولەوی) و (گۆران) و (بێکەس)، ولو عرفوا أن تاريخها شهد نساءً قائدات وحاكمات، وأنها قدمت أكثر مما أخذت، وضحّت أكثر مما كوفئت، واحتضنت في هضابها أكثر المقابر الجماعية، وأن أبناءها اختنقوا بمرارة الغازات السامة، ومع ذلك ظلوا أوفياء للحياة ومتشبثين بقيم الإنسانية؛ لو عرفوا كل ذلك لفهموا حقيقة حلبجة على نحو أعمق.
أما ذلك النهر، (نهر الزلم)، الذي غرقت فيه رقية، فقد كان في زمن آخر، عام 1988، نهراً مسموماً بالكامل بغازي (السيانيد والخردل)، وفي المرحلة ذاتها تقريباً، عام 1991، وفي كربلاء رقية نفسها، وضع رجل اسمه حسين حذائه فوق ضريح الإمام الحسين وقال له: (أنا حسين وأنت الحسين، فأيّنا الأشجَعُ اليوم؟»). لكن أحد هذين الحسينين (الحسين الأول )انتهى به المطاف في مزبلة التاريخ.
واليوم، فإن القاسم المشترك بين (نهرالزلم) وكربلاء ليس الجن ولا الخرافات، بل الألم والمعاناة. وإن آلاف المقالات والكلمات الإنسانية التي كُتبت عن الكورد وقدّمتهم بوصفهم من أكثر شعوب الأرض إنسانية، ينبغي أن تجعل إنسان الأمس واليوم والغد يقول للمسعودي: لقد تحطم زعمك وانكشف بطلانه.

ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket