من مدرسة مام جلال إلى استراتيجية المستقبل
الآراء 06:39 PM - 2026-03-27
PUKMEDIA
عماد أحمد
في وقتٍ تتحرك فيه منطقة الشرق الأوسط بين اختلال التوازنات وظهور معادلات جديدة، لا يستطيع العراق وإقليم كوردستان أن يعزلا نفسيهما عن هذه التأثيرات، فتصاعد الصراعات الإقليمية، وتعقّد العلاقات الدولية، إلى جانب الأزمات والغموض الداخلي، كلها تطرح سؤالاً جوهرياً أمام الفرد الكوردي ألا وهو: ما هي الاستراتيجية الصحيحة لبقاء واستقرار إقليم كوردستان؟
الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، لكن من وجهة نظرنا، بوصفنا من الكوادر القديمة في الاتحاد الوطني الكوردستاني وخدّام هذا الوطن، فإن السبيل يكمن فقط في السياسة المرنة، والحوار، وفهم ومعرفة موازين القوى، والقراءة الواعية لمسار التطورات،فالسياسة فنّ وحكمة، وإذا افتقدت الرؤية الواضحة في أساسها، تحولت إلى تبعية. وما نفعله اليوم هو الذي يرسم حدود مستقبلنا.
في هذا الوضع، يصبح الهدوء وبُعد النظر والحوار دواءً لكل داء،وهذه ليست مجرد كلمات سياسية، بل ضرورات مصيرية، فالقوى والكتل التي لا تستطيع تحقيق التوازن بين القوة والعقل، وبين الصراع والتوازن، وبين الشراكة والمصلحة الوطنية، سرعان ما تقع تحت تأثير "اللعبة الكبرى"، وكما أشار هنري كيسنجر، فإن السياسة تكشف معناها الحقيقي في أوقات الأزمات، لأن الشعوب تُجبر حينها على الاختيار بين ما تريده وما تستطيع تحقيقه، ومن هذا المنطلق، فإن العودة إلى المدرسة السياسية للرئيس الراحل جلال طالباني ليست استذكاراً للماضي فحسب، بل ضرورة حاضرة، فمدرسة الراحل مام جلال لم تكن مدرسة للسياسة اللينة فقط، بل مدرسة للاستراتيجية الذكية، حيث كان الحوار والقوة والتوازن عناصر حاسمة.
لقد علّمنا مام جلال أن السياسة ليست فنّ فرض الانتصار، بل فنّ إدارة الاختلافات ،فالنجاح في السياسة يكون لمن يعرف نفسه وخصمه، لا لمن يتصرف بعقلية " أتصرّف كأنني لا أسمع ولا أرى، ولا أعترف بأحد ". ومن أبرز الاختبارات القائمة اليوم العلاقة بين الإقليم وبغداد، فبغداد تمثل مختبراً دائماً لهذه العلاقة، وأي خطأ فيها يكون مكلفاً للغاية، وتُظهر تجارب الماضي بأن قطع العلاقات ليس حلاً، بل تعميقٌ للأزمات، كما أن الاحتماء بالدستور ليست عصاً سحرية، إذ لا يمكن لأي دستور أن يكون حلاً بحد ذاته من دون إرادة سياسية حقيقية، لذلك، يجب أن تقترن العودة إلى الدستور بإرادة صادقة للحوار والتفاهم.
في منطقة معقّدة، لا يكون الحوار خياراً، بل قدراً، والحياد الحقيقي لا يعني الابتعاد عن الجميع، بل هي القدرة على الاقتراب من جميع الأطراف دون فقدان الذات، أما الذين ينخرطون في الصراعات ويبالغون في الاصطفاف في المقدمة، فإنهم يتحولون في النهاية إلى أدوات بيد الآخرين.
اليوم يقف الاتحاد الوطني الكوردستاني، بوصفه قوة كبيرة وذات مكانة خاصة في الساحة الكوردستانية، ووريث نهج مام جلال، أمام اختبار جديد، فالوطنية تكتسب معناها الحقيقي حين تتخذ القرارات الصحيحة والسليمة في أوقات الأزمات، وأي سياسة لا تخدم الحاضر، تُضيّع المستقبل، إن إرث تلك المدرسة مسؤولية كبيرة على عاتقنا، وهذه المسؤولية لا تعني فقط حفظ الماضي، بل صناعة المستقبل.
فالتاريخ يقف دائماً إلى جانب من يتخذون القرار، لا إلى جانب من يكتفون بالانتظار، والأزمات ليست دائماً خطراً، بل قد تكون أحياناً بوابةً لقرارات كبرى.
وفي الختام نقول بالكوردية والكرمانجية*: إن الاستراتيجية الحقيقية ليست تلك التي تكتفي بالرد على الأزمات، بل التي تستطيع صناعة المستقبل، فالأمة التي لا تحدد مستقبلها، يكتبه لها الخصوم .
إن إستراتيجية بناء المستقبل هي تلك التي تستطيع تغيير مسارالمستقبل، فالشعوب لا تموت في الأزمات، بل تُدحض وتموت في غياب القرار والنهج ،والبقاء لا يتحقق بالقوة المادية وحدها، بل بالعقل والبصيرة التي تدرك الزمان والمكان، فالمستقبل لمن يصنعون أنفسهم، لا لمن ينتظرون الأحداث فقط، وما نختاره اليوم هو ما يرسم حدود غدنا، المستقبل لمن يملكون قوة القرار، لا لمن يملكون القوة فقط.
رحم الله مام غفور (مامه غه فه) الذي كان يقول دائماً:
"من يكسب رزقه من العاصفة، تأخذ الرياح رزقه"!
*بالكوردية والكرمانجية: مقولة مجازية شائعة في اللغة الكوردية يقصد بها "نقول بإقتضاب ، أو مختصر القول".
ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
المزيد من الأخبار
-
باكستان: المحادثات الفنية بين أميركا وإيران تستأنف الأسبوع المقبل
01:33 PM - 2026-06-24 -
طقس العراق.. غبار وارتفاع جديد في درجات الحرارة
10:51 AM - 2026-06-24 -
انخفاض اسعار النفط مع تعافي حركة الملاحة في مضيق هرمز
10:06 AM - 2026-06-24 -
تأكيدات على ضرورة اتخاذ خطوات جادة لتجاوز التحديات
08:57 PM - 2026-06-23
شاهد المزيد
الرئيس بافل يناقش الاوضاع السياسية الراهنة مع الاستاذ علي بابير
03:55 PM - 2026-06-24
تطبيق أحكام قانون الإرهاب على صانعي ومستخدمي وحائزي الطائرات المسيّرة
03:36 PM - 2026-06-24
رئيس الجمهورية: توفير البيئة الملائمة للباحثين والأكاديميين وتشجيع الابتكار والإبداع بين الطلبة
01:26 PM - 2026-06-24
مجلس الوزراء يناقش تطبيق الاسيكودا والرواتب التقاعدية للعمال
10:46 AM - 2026-06-24
الأكثر قراءة
-
مدير سومو: ارتفاع صادرات كركوك من النفط الخام الى 7 ملايين برميل شهريا
العراق 03:01 PM - 2026-06-23 -
قضية الجميلي.. الإطاحة بمحافظ صلاح الدين الأسبق وارتفاع الأموال المضبوطة
العراق 04:52 PM - 2026-06-23 -
قوباد طالباني: دعم الحكومة العراقية الجديدة في حماية العراق من الصراعات
کوردستان 05:15 PM - 2026-06-23 -
قوباد طالباني: نهدف لتحويل القطاع السياحي الى مصدر رئيس للدخل
کوردستان 06:24 PM - 2026-06-23 -
انخفاض اسعار النفط مع تعافي حركة الملاحة في مضيق هرمز
إقتصاد 10:06 AM - 2026-06-24 -
تأكيدات على ضرورة اتخاذ خطوات جادة لتجاوز التحديات
کوردستان 08:57 PM - 2026-06-23 -
مجلس الوزراء يناقش تطبيق الاسيكودا والرواتب التقاعدية للعمال
کوردستان 10:46 AM - 2026-06-24 -
ترامب ونائبه يؤكدان موافقة إيران الكاملة على التفتيش النووي وطهران تنفي
العالم 03:41 PM - 2026-06-23



.jpg)

.jpg)

تطبيق

