نهاية النظام الدولي الليبرالي: العالم يدخل زمن القوة لا القواعد

الآراء 01:23 PM - 2026-02-19
عباس عبدالرزاق PUKMEDIA

عباس عبدالرزاق

العراق

لم يعد الحديث عن “أزمة النظام الدولي” مجرد تشخيص أكاديمي أو خطاب سياسي عابر، بل أصبح توصيفاً واقعياً لمرحلة تاريخية انتقالية تتشكل أمام أعيننا. التصريحات التي خرجت من أروقة مؤتمر ميونخ للأمن لم تكن مجرد تحذيرات، بل إعلاناً ضمنياً بأن النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية يفقد تدريجياً قدرته على تنظيم التوازنات وضبط الصراعات.
إن العالم يدخل اليوم مرحلة يمكن وصفها بوضوح بأنها مرحلة ما بعد النظام الليبرالي، حيث تتراجع القواعد أمام اعتبارات القوة، وتعود الجغرافيا السياسية لتفرض منطقها على الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات.
من لحظة الهيمنة إلى لحظة التآكل
بعد عام 1945 تشكّل نظام دولي قائم على مؤسسات متعددة الأطراف، تقوده الولايات المتحدة، ويستند إلى فكرة العولمة الليبرالية والتجارة الحرة وتقييد الصراع عبر القواعد. لكن هذا النظام لم يكن ثابتاً بقدر ما كان تعبيراً عن ميزان قوة محدد.
ومع صعود قوى جديدة وتراجع قدرة القوة المهيمنة على فرض قواعدها، بدأ النظام يدخل مرحلة تآكل بطيء.
هذا التآكل لا يعني انهياراً فورياً، بل انتقالاً تدريجياً نحو بنية دولية أكثر فوضوية وتنافسية.
صعود الصين وعودة التاريخ
يُعد صعود الصين العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل النظام العالمي، إذ لم يعد التنافس بينها وبين الولايات المتحدة مجرد تنافس اقتصادي، بل أصبح صراعاً على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والنفوذ الجيوسياسي.
وترى تحليلات عديدة، من بينها تحذيرات المستثمر والمفكر الاقتصادي راي داليو، أن العالم يمر بدورة تاريخية تشبه إلى حد بعيد المراحل التي سبقت الحرب العالمية الثانية، حيث تتراكم التوترات الاقتصادية والمالية قبل أن تتحول إلى صدامات كبرى.
ويبرز ملف تايوان بوصفه أخطر نقطة اشتعال محتملة، لأنه يجمع بين الصراع الجيوسياسي والرمزية القومية والتوازن العسكري.
نهاية العولمة كما عرفناها
العالم يشهد اليوم تفككاً تدريجياً لسلاسل العولمة التقليدية، مع اتجاه الدول إلى إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية وبناء كتل اقتصادية شبه مغلقة.
لم يعد الاقتصاد منفصلاً عن السياسة، بل أصبح أداة مركزية في الصراع عبر العقوبات والحروب التجارية والسيطرة على التكنولوجيا.
وهذا التحول يعني أن منطق الكفاءة الاقتصادية يتراجع أمام منطق الأمن القومي.
عصر القوى العظمى: منطق الردع لا التعاون
ما نشهده اليوم ليس عودة إلى الحرب الباردة بصيغتها الكلاسيكية، بل نشوء نظام متعدد الأقطاب قائم على توازنات مرنة وصراعات منخفضة الحدة، حيث تتجنب القوى الكبرى المواجهة المباشرة لكنها تتنافس في كل المجالات الأخرى.
هذا النموذج ينتج حالة من “اللااستقرار المنظم”، حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل صراع دائم تحت سقف الردع.
هل العالم يتجه إلى حرب كبرى؟
رغم ارتفاع مستوى التوتر، فإن احتمالات الحرب العالمية الشاملة تبقى منخفضة نسبياً بسبب كلفة الصراع النووي والتشابك الاقتصادي.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في سوء الحسابات الاستراتيجية أو الانزلاق التدريجي عبر أزمات إقليمية قد تتحول إلى مواجهة أوسع.
التاريخ يُظهر أن الحروب الكبرى نادراً ما تكون قراراً واعياً بقدر ما تكون نتيجة تراكم الأزمات وفشل إدارة التوازنات.
الشرق الأوسط في النظام الجديد
في ظل هذا التحول، تتحول مناطق مثل الشرق الأوسط إلى ساحات تنافس نفوذ أكثر منها ساحات صراع أيديولوجي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع الحسابات الإقليمية، ما يزيد من سيولة التوازنات وعدم قابليتها للاستقرار الطويل.
نحو نظام لم تتضح قواعده بعد
العالم لا يعيش لحظة انهيار نهائي بقدر ما يعيش لحظة إعادة تشكل. نحن في مرحلة انتقالية تاريخية قد تستمر عقداً أو عقدين قبل أن تتبلور قواعد نظام جديد.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان النظام القديم انتهى، بل أي نوع من النظام سيولد:
هل سيكون نظام توازنات عقلانية أم نظام صراعات مفتوحة؟
الخلاصة
إن نهاية النظام الدولي الليبرالي لا تعني نهاية النظام العالمي، بل تعني الانتقال إلى مرحلة أكثر صلابة وتنافسية، حيث تعود القوة لتكون العامل الحاسم في تشكيل السياسة الدولية.
العالم يدخل زمناً جديداً، زمناً لا تُكتب قواعده في المؤتمرات وحدها، بل في ميزان القوة والاقتصاد والتكنولوجيا.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكون السؤال من سيقود العالم، بل كيف سيتعلم العالم التعايش مع تعددية القوة دون الانزلاق إلى صدام شاق

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket