بين مسدس ستارمر... والسلاح المنفلت في العراق
الآراء 03:21 PM - 2026-07-12
ليست كل الهدايا بريئة، وليست كل الأسلحة أدوات للقتل. فبعضها يتحول، من حيث لا يدري أصحابها، إلى مرآة تعكس طبيعة الدول، وإلى امتحان يكشف ما إذا كانت السلطة تُدار بالقانون أم بالقوة.
في قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة، أهدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قادة الدول مسدسات صُنعت خصيصا لهم، ونُقشت عليها أسماؤهم. بدت الهدية للوهلة الأولى تعبيرا بروتوكوليا عن التقدير، لكنها سرعان ما تحولت إلى قصة سياسية أكبر من قطعة سلاح مزخرفة.
ففي بريطانيا، لم يكن رئيس الوزراء كير ستارمر حرا في أن يحمل المسدس إلى طائرته ويعود به إلى لندن. لم يشفع له منصبه، ولم تمنحه رئاسته للحكومة امتيازا استثنائيا. القانون البريطاني كان صاحب الكلمة الأخيرة. فالمسدسات تخضع لقيود صارمة تكاد تجعل حيازتها المدنية مستحيلة، ولذلك بقيت الهدية في تركيا إلى أن تُعطل بصورة نهائية، ثم تُستكمل الإجراءات القانونية الخاصة بنقلها.
قد يبدو المشهد بسيطا، لكنه في الحقيقة يختصر فلسفة الدولة الحديثة.
فالدولة لا تُعرف بعدد مؤسساتها، ولا بضخامة جيوشها، ولا بثراء اقتصاداتها، وإنما بقدرتها على إخضاع الجميع لسلطان القانون حين يُجبر القانون رئيس الحكومة على ترك هدية تلقاها من رئيس دولة أخرى، فإن الرسالة لا تتعلق بالسلاح، بل بمن يحكم الدولة حقا. هناك، لا يحكم الأشخاص القانون، بل يحكم القانون الأشخاص.
هنا يبدأ السؤال العراقي، فالدستور لم يترك مساحة للتأويل عندما جعل احتكار السلاح من اختصاص الدولة. لكن النصوص، مهما بلغت دقتها، لا تصنع واقعا إذا بقيت حبرا على ورق. فالعراق، بعد أكثر من عقدين على التغيير، لا يزال يعيش مفارقة قاسية؛ دولة ينص دستورها على احتكار القوة، بينما تتوزع القوة عمليا بين جهات متعددة، بعضها سياسي، وبعضها عشائري، وبعضها مسلح، وبعضها لا يعترف أصلا بسلطة الدولة إلا بقدر ما تخدم مصالحه.
أما إقليم كردستان، الذي حقق تجربة مؤسساتية أكثر استقرارا من كثير من مناطق العراق، فما زال هو الآخر يواجه التحدي ذاته. فقيام المؤسسات لا يكتمل ما لم يصبح السلاح، بكل أشكاله، جزءا من المنظومة القانونية للدولة وحدها، لا امتدادا لمراكز نفوذ متوازية.
إن أخطر ما يفعله السلاح المنفلت أنه يعيد تعريف السلطة. فبدلا من أن تكون الدولة هي مصدر القوة، تصبح القوة هي مصدر الدولة. وعندها يتراجع القانون إلى مرتبة النص، بينما ترتفع فوهة البندقية إلى مرتبة القرار.
ولعل الأخطر من انتشار السلاح هو الثقافة التي تمنحه شرعية اجتماعية. فعندما يتحول المسدس إلى هدية، والبندقية إلى رمز للمكانة، والسلاح إلى وسيلة للتفاخر، فإن المجتمع يعتاد رؤية القوة بوصفها قيمة، لا استثناء تنظمه الدولة. وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية للدولة، لأنها تفقد احتكارها للهيبة قبل أن تفقد احتكارها للقوة.
لقد اختارت كندا أن تُسلم المسدس المهدى إلى شرطة الخيالة الملكية، تمهيدا لعرضه في مؤسسة رسمية أو متحف بعد تعطيله. أما بريطانيا، فأصرت على ألا تطأ الهدية أرضها قبل أن تفقد وظيفتها كسلاح. إنها ليست مبالغة قانونية، بل احترام لفكرة تأسيسية مفادها أن السلاح لا يكتسب شرعيته من صاحبه، بل من القانون.
فهل يستطيع العراق أن يقرأ الرسالة؟
ليس المطلوب مصادرة تقاليد المجتمع، ولا تحويل الهدايا إلى قضية سياسية، بل إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها. فالدولة التي تسمح بأن يصبح السلاح رمزا اجتماعيا، ستكتشف عاجلا أم آجلا أن رمزية الدولة نفسها بدأت تتآكل.
إن الطريق إلى الدولة لا يبدأ من مخازن الأسلحة، بل من الوعي بأن القوة لا تمنح الشرعية، وإنما الشرعية هي التي تمنح القوة معناها وحدودها. وحين يصبح القانون هو السلاح الوحيد الذي لا ينافسه سلاح آخر، عندها فقط يمكن القول إن الدولة قد انتصرت.
أما ذلك المسدس الذي لم يغادر تركيا، فقد كان، على الأرجح، أكثر بلاغة من آلاف الخطب السياسية؛ لأنه أثبت أن أعظم سلاح في الدولة الحديثة ليس المسدس... بل القانون.
PUKMEDIA
المزيد من الأخبار
-
القيادة المركزية الأمريكية تمنع سفينتين من دخول الموانئ الإيرانية تطبيقاً للحظر البحري
05:51 PM - 2026-07-15 -
شراكة لتطوير القطاع الصحي: تطوير مستشفى النساء في السليمانية
05:45 PM - 2026-07-15 -
رئيس الجمهورية يبحث مع رئيس المجلس الأوروبي خفض التصعيد في المنطقة
03:08 PM - 2026-07-15 -
ترامب يهدد بضرب محطات الطاقة في إيران حال عدم التوصل لاتفاق
10:43 AM - 2026-07-15
الأكثر قراءة
-
بعد نحو عامين على الانتخابات.. استمرار تعثر تشكيل حكومة إقليم كوردستان
کوردستان 02:51 PM - 2026-07-15 -
رئيس الجمهورية: تسمية مطار السليمانية باسم مام جلال تجسيد للوفاء لرمز وطني
العراق 09:32 PM - 2026-07-14 -
بقرار من قوباد طالباني.. توزيع أكثر من 17 ألف قطعة أرض في كرميان
کوردستان 06:09 PM - 2026-07-15 -
اسعار النفط ترتفع إلى أعلى مستوى
إقتصاد 10:02 AM - 2026-07-15 -
باراك: مستقبل العلاقات الأمريكية العراقية يكمن في الفرص الاقتصادية وليس الأمن وحده
العالم 11:15 PM - 2026-07-14 -
علي الزيدي: أولوياتنا مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة
العراق 10:22 AM - 2026-07-15 -
قوباد طالباني: المشاريع الاستثمارية يجب أن يشمل جميع مناطق كرميان دون تمييز
کوردستان 05:33 PM - 2026-07-15 -
الأنواء الجوية: طقس حار و3 محافظات تسجل الـ50 مئوية
العراق 10:05 AM - 2026-07-15



تطبيق

