البصاق..!

الآراء 05:52 PM - 2026-07-06
*كاروان أنور

*كاروان أنور

لقد راودني سؤال غريب جدًا: لماذا تتفق جميع الشعوب والأساطير والثقافات وطرق التفكير القديمة والحديثة على معنى البصاق؟

بعيدًا عن كونه مجرد سائل بيولوجي يخرج من الجسم مثل الدموع والعرق والمخاط وغيرها من الإفرازات، فإن البصاق أصبح رمزًا للعنة، والاحتقار، والكراهية، والإهانة، والخيانة، والسرقة، والفساد، وكل السلوكيات المشينة.
في حياتي كلها، لم يبصق عليَّ سوى ضابط بعثي مرة واحدة – وسأروي لكم قصتها في مناسبة أخرى – لكنني سأبقى حتى آخر يوم في حياتي أتألم من تلك البصقة. وفي المقابل، يقول حسن خيري في وصيته: «اجعلوا قبري على جانب طريق، لكي يبصق عليَّ كل كردي يمر من هناك.»
أحيانًا تُذكر البصقة في وصية، أو في كتابة، أو على ملصق، أو على جدار، أو حتى في مرحاض. وفي غرف التعذيب تكون البصقة أشد إيلامًا من السوط والكابل، لأن جراح الجسد تلتئم، أما جرح الإهانة الذي تتركه البصقة فيبقى إلى الأبد.
وانظروا كيف صاغ الكرد فلسفة خاصة لمعنى البصقة؛ فعند انفصال عاشقين، أو خلاف صديقين، أو نقض عهد، يبصق الإنسان على اليوم الذي تعرّف فيه إلى الآخر. والبصقة تلعن السلوك، وتطال الماضي والحاضر والمستقبل. ويقول المثل الكردي: «البصقة سترتد إلى جبينك.» ويقول الشاعر پەشێو: «جاءت بصقة صفراء من حذاء أسود فلطخت جبيني.»
الباصق، والبصقة، ومن وقع عليه البصاق، يشكلون مثلثًا للتعريف والإدانة. فمن فم الإنسان لا يخرج البصاق فقط، بل يخرج أيضًا الكذب، والكفر، والشتائم، والبهتان، والظلم، والفتنة، والنفاق، والرياء، وحتى البلغم. ومع ذلك، بقيت البصقة هي الرمز الأشد للإذلال والإهانة، وأصبحت عبر التاريخ سلاحًا معنويًا شديد التأثير.
واليوم، في العراق، بدأت حملة لاعتقال لصوص كبار ومتورطين في سرقات ضخمة. العالم كله شاهد ذلك، وما يحدث ليس أمرًا عاديًا، بل صدمة لن تزول آثارها بسهولة. ولهذا انهالت عليهم ملايين اللعنات والبصقات الرمزية، وأصبح الناس في أنحاء العالم يتحدثون عن بلدٍ نهب مسؤولوه وممثلو شعبه أموال الفقراء، فذهبت ثروات الناس إلى القصور، وغرف النوم، والحقائب، واليخوت، والساعات الفاخرة، والحسابات المصرفية العالمية. بينما بقي المواطن الفقير يحلم برغيف خبز حلال أو براتب بسيط، يتحدث الناس اليوم عن مئات المليارات من الدولارات والدنانير التي أُهدرت أو سُرقت أو أُخفيت في مشاريع وهمية واستثمارات لا يستفيد منها إلا قلة.
في مثل هذه الحالة، لا يجد المواطن البسيط والنزيه والمخلص، الذي لا يملك سلطة، وسيلة للتعبير عن احتقاره لأولئك اللصوص سوى كلمة واحدة:
«تف!» (بصقة).

*زاوية أسبوعية تُنشر كل يوم اثنين في صحيفة «كوردستانى نوى»
PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket