"كردستان والحركة القومية الكردية" قراءة في فكر الرئيس مام جلال

الآراء 03:06 PM - 2026-07-06
أ.م.د. ژینۆعبدالله

أ.م.د. ژینۆعبدالله

لم تكن عودتي الأخيرة لتقليب صفحات السفر الفكري والتاريخي الفذ، «كردستان والحركة القومية الكردية» للرئيس مام جلال، مجرد مراجعة عابرة في تلافيف المكتبة السياسية المعاصرة، بل كانت، وبصدق الصحفي الحريص وعين الأكاديمي المتابع، مواجهة حية مع وثيقة استراتيجية صاغها رئيس عاش التاريخ قبل أن يكتبه، وصنع الأحداث قبل أن يُنظّر لها. وتأتي هذه القراءة لتتوج سنوات من رصدي ومتابعتي الدؤوبة لمدونات ومقاومات الوعي التحرري في المنطقة؛ قراءة أحاول فيها، بمبضع التفكيك وعاطفة المتابع، سبر أغوار هذا الإرث الفكري الهام.

لغة الوثيقة وروح الفكر
ينتمي هذا الكتاب، في تصنيفه البنيوي، إلى أدبيات الفكر السياسي النضالي، لكنه ليس من فصيلة التنظير الجاف الذي يُكتب في الغرف المغلقة، بل هو مدونة استراتيجية كُتبت بعرق الثوار ومداد المبادئ. يجمع الكتاب بين التحليل السوسيولوجي الصارم لجغرافية كوردستان وتاريخها، وبين التخطيط الاستراتيجي لمستقبل الحركة القومية التحررية. إن السمة المهيمنة في قلم الرئيس مام جلال هنا هي السلاسة البليغة والمزاوجة الفذة بين عمق المحتوي ودقة التوثيق التاريخي، مستنداً إلى الإحصاءات والوقائع، ومبتعداً تماماً عن الإنشاء العاطفي الزائف. إنه يقدم لنا تشريحاً حياً للهوية الكوردية في كفاحها الطويل.

مفاصل التاريخ
يعمد الرئيس مام جلال في متن كتابه إلى تفكيك جذور الحركة القومية الكوردية عبر تقسيمات علمية محكمة، تبدأ من توصيف الأرض (كوردستان) بوصفها واحة زاخرة بالخيرات المادية والروحية، لكنها محاطة بالتحديات الجيوسياسية المعقدة. ينتقل بنا القلم التوثيقي للرئيس مام جلال إلى تشريح البنية الطبقية والاجتماعية للشعب الكوردي، مبرزاً بوعيٍ تقدمي طليعي كيف تلاحمت القوي الفلاحية والكادحة مع المثقفين الثوريين لتشكيل عصب المقاومة ضد القمع والاستبداد السلطوي.

المثير للانتباه في هذا التفكيك الاستراتيجي، أن الرئيس مام جلال لا يعزل القضية الكوردية عن محيطها الإقليمي والعالمي، بل يقرأها في ضوء صراع التوازنات الدولية ومواقف الحكومات المتعاقبة. إنه يضع القارئ أمام سردية متكاملة للثورة الجديدة ومعادلات السلم والحرب، مما يمنح الكتاب قيمة مرجعية لا غني عنها لكل باحث في شؤون الشرق الأوسط وتاريخ حركات التحرر الوطني.

ثنائية النضال
يتجلى النضج الفكري للرئيس جلال طالباني عند صياغته للمستلزمات والشروط الأساسية لانتصار الثورة الكوردية، حيث يطرح معادلة فكرية وسياسية بالغة الأهمية قوامها: التلاحم المصيري المشترك بين الشعب الكوردي والشعوب الشقيقة المجاورة (العرب والفرس والترك). يرى الرئيس مام جلال بعين القائد الحكيم والمستشرف للمستقبل، أن القضية الكوردية لا يمكن أن تحقق أهدافها التحررية والديمقراطية بمعزل عن النضال العام للشعوب الصديقة ضد الديكتاتورية ومن أجل العدالة الاجتماعية والاشتراكية الديمقراطية.

هنا تذوب الرومانسية القومية الضيقة لتتحول على يد الرئيس مام جلال إلى واقعية نضالية رحبة تعترف بالحقوق والخصوصيات، وتدعو إلى بناء جبهة إنسانية عريضة، قوامها التضامن الكفاحي، والأخوّة التاريخية، والسعي المشترك نحو فضاءات الحرية والتقدم والازدهار.

لحظة التنوير
تصل هذه الأوراق الفكرية إلى ذروتها الاستشرافية في خواتيمها الملحمية، حيث يعلن الرئيس مام جلال بوضوح أن "طريق انتصار الثورة التحررية" يمر حتماً عبر تعبئة الطاقات الخلاقة للجماهير وبناء الحزب الطليعي الديمقراطي. إنها لحظة التنوير الأسمي في فكر الرئيس مام جلال، حيث يتحول النص من مجرد استعراض للتاريخ والماضي، إلى خارطة طريق للمستقبل. خارطة تغسل آلام الشتات والتهميش بماء الأمل والنضال المنظم لحماية الأرض والكرامة الإنسانية.

إن كتاب "كردستان والحركة القومية الكردية" هو سيمفونية فكرية ملهمة، تجسد ببراعة عبقرية الإنسان والقائد والمفكر مام جلال، وتؤكد أصالة رؤيته الاستراتيجية وقدرته الفذة على إعادة صياغة التاريخ وتوجيهه نحو بوابات الحرية والديمقراطية والعدالة المطلقة.

اسم الكتاب: كردستان والحركة القومية الكردية
الرئيس جلال طالباني (ضمن مشروع المؤلفات الكاملة للرئيس جلال طالباني)
منشورات مكتب تنمية الفكر والتوعية في الاتحاد الوطني الكوردستاني، السليمانية.2022

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket