الإصلاح المؤجل وأزمة تشكيل الحكومة في كردستان

الآراء 07:22 PM - 2026-06-15
د. شيلان فتحي شريف*

د. شيلان فتحي شريف*

بين تحديات التوافق السياسي وإدارة الموارد

لا شك أن إقليم كردستان يمتلك من المقومات السياسية والاقتصادية والبشرية ما يؤهله للانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً وتوازناً في مسار التنمية وبناء المؤسسات. غير أن الواقع القائم يكشف عن فجوة متزايدة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة، الأمر الذي جعل من الإصلاح السياسي والاقتصادي مشروعاً مؤجلاً يتعثر باستمرار أمام تحديات بنيوية لم تنجح الحكومات المتعاقبة في معالجتها بصورة جذرية.
وتتجاوز هذه التحديات البعد الإداري أو الفني لتلامس جوهر بنية الحكم وآليات اتخاذ القرار. فالإشكالية الأساسية لا تكمن في محدودية الموارد بقدر ما تكمن في طبيعة إدارتها، وفي غياب منظومة حوكمة فاعلة قادرة على تنظيم العلاقة بين المؤسسات وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات بصورة واضحة. وقد أدى تداخل الاختصاصات وضعف التنسيق بين المؤسسات إلى إبطاء عملية صنع القرار، وإلى تراجع مستويات المساءلة عند تعثر التنفيذ، بما انعكس سلباً على كفاءة الأداء الحكومي وفاعلية السياسات العامة.
ويظهر أثر هذا الخلل بوضوح في مسار التنمية داخل الإقليم، حيث لا تزال الفوارق التنموية بين المحافظات قائمة على الرغم من الإمكانات المالية المتاحة. فتركز الاستثمارات والمشاريع الخدمية في بعض المراكز الحضرية، مقابل محدودية الفرص في مناطق أخرى، و ايضا عدم التوازن بين تنمية المدن المختلفة على خلفية ضيق أفق سياسي أسهم في خلق حالة من عدم التوازن التنموي، تجاوزت آثارها الجانب الاقتصادي لتطال الأبعاد الاجتماعية والسياسية، عبر تنامي الشعور بعدم تكافؤ الفرص وضعف العدالة في توزيع الموارد.
كما يمثل ملف التوظيف العام أحد أبرز مظاهر الاختلال المؤسسي. فغياب التطبيق الصارم لمبدأ الجدارة والكفاءة في بعض مفاصل التعيين والترقية، إلى جانب تغليب الاعتبارات غير المهنية في إدارة الموارد البشرية، أدى إلى إضعاف الجهاز الإداري وتقليص قدرته على الاستجابة لمتطلبات التنمية. وتزداد خطورة هذه الإشكالية في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والخريجين، وما يرافقها من تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
أما إدارة المال العام، فما زالت تواجه تحديات تتعلق بمستويات الشفافية والإفصاح. إذ إن محدودية البيانات المتاحة بشأن الموازنات العامة وأوجه الإنفاق ومصير المشاريع التنموية تضعف من أدوات الرقابة المؤسسية والمجتمعية، وتؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية. وفي ظل التحولات الاقتصادية والسياسية الراهنة، أصبحت الشفافية والمساءلة شرطين أساسيين لتعزيز الشرعية السياسية وترسيخ الثقة العامة.
وفي السياق ذاته، لا يزال التخطيط التنموي في جانب منه رهيناً للمعالجات الآنية والاستجابات قصيرة المدى، بدلاً من استناده إلى رؤية استراتيجية بعيدة الأمد. ونتيجة لذلك، تصبح المشاريع والسياسات العامة عرضة للتغيير تبعاً للتحولات السياسية والأزمات الطارئة، بما يعرقل التراكم المؤسسي ويحد من قدرة الحكومة على تحقيق تنمية مستدامة تتجاوز حدود الدورات الحكومية المتعاقبة.
غير أن التحدي الأبرز الذي يواجه الإقليم اليوم لا يقتصر على الجوانب الإدارية أو الاقتصادية، بل يرتبط بصورة مباشرة بالأزمة السياسية المتمثلة في تعثر تشكيل الحكومة. فاستمرار الخلافات بين القوى السياسية بشأن تقاسم السلطة وتوزيع المناصب وإدارة الموارد المالية والنفطية يعكس عمق الإشكاليات المرتبطة بنموذج الحكم القائم وآليات إدارة التوازنات السياسية.
وتبرز إدارة الموارد بوصفها إحدى أكثر القضايا حساسية في هذا السياق، ولا سيما ما يتعلق بالإيرادات النفطية والموازنات العامة وآليات توزيعها. فهذه الملفات لم تعد شأناً اقتصادياً فحسب، بل تحولت إلى محور أساسي في المفاوضات السياسية، الأمر الذي جعل التوافق الحكومي مرتبطاً إلى حد كبير بحسم الخلافات حول إدارة الثروة وتوزيع عوائدها بين المؤسسات والمناطق المختلفة.
ومن هنا، فإن أزمة تشكيل الحكومة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بإدارة السلطة والموارد معاً. فكلما تأخر التوصل إلى تفاهمات مستقرة بشأن هذه الملفات، ازدادت كلفة التعطيل على الاقتصاد والتنمية والاستقرار المؤسسي، وتراجعت قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها وتحقيق تطلعات المواطنين.
وتؤكد التجارب الدولية أن معالجة مثل هذه التحديات ليست أمراً مستحيلاً. فقد نجحت العديد من النماذج المقارنة في تعزيز الاستقرار السياسي من خلال بناء مؤسسات أكثر شفافية، وتوزيع أكثر عدالة للموارد، وربط الإنفاق العام بمعايير الكفاءة والأداء. كما أسهمت الرقمنة وتطوير أنظمة الحوكمة الحديثة في الحد من الفساد الإداري وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
وعليه، فإن الإصلاح المؤجل في كردستان و عدم انسيابية تصحيح مسار الحكم لم يعد مجرد توصيف لحالة مؤقتة، بل أصبح عنواناً لأزمة بنيوية تتصل بطبيعة إدارة الحكم نفسها. فالحكومة التي تعجز عن تحقيق التوازن بين السلطة والمسؤولية، وبين الموارد والمساءلة، تجد نفسها أمام تنمية غير متوازنة واستقرار سياسي هش وثقة عامة قابلة للتآكل.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة الراهنة لا يكمن في تشكيل حكومة جديدة فحسب، وإنما في بناء نموذج حكم أكثر قدرة على تحقيق العدالة والكفاءة معاً. فإما أن يتحول الإصلاح إلى مشروع مؤسسي شامل يعالج جذور الأزمة السياسية والاقتصادية، وإما أن يبقى مؤجلاً، لتتكرر معه أزمات التعثر والتأجيل بأشكال مختلفة، من دون أن يغادر الإقليم دائرة الإشكالات ذاتها.
*اكاديمية وناشطة سياسية

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket