من يكتب التاريخ عندما تصمت الحروب؟

الآراء 10:51 AM - 2026-06-11
عباس عبدالرزاق

عباس عبدالرزاق

إشكالية الذاكرة والتاريخ في خطاب عماد أحمد
يُمكن قراءة نص للکاتب عماد أحمد بوصفه أكثر من مقال سياسي أو تأمل صحفي؛ فهو نص يقع عند تقاطع الفلسفة السياسية وفلسفة التاريخ وأخلاقيات الكتابة. والسؤال المركزي الذي يطرحه: «من يكتب التاريخ عندما تصمت الحروب؟» ليس سؤالاً إخبارياً، بل سؤالاً إبستمولوجياً وأخلاقياً يتعلق بمصدر الحقيقة ومعنى الذاكرة ودور الإنسان في صناعة المعنى بعد انتهاء العنف.
القلم بوصفه امتداداً للتاريخ
ينطلق النص من فرضية فلسفية مهمة، وهي أن الحروب لاتنتهي فعلياً عند توقف إطلاق النار، بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر خطورة، هي مرحلة تفسير ما حدث. هنا يقترب الكاتب من رؤية الفيلسوف الفرنسي Paul Ricoeur الذي كان يرى أن التاريخ ليس مجرد تسجيل للوقائع، بل هو عملية تأويل مستمرة للذاكرة الجماعية. فالحرب تنتج الأحداث، لكن الوعي الإنساني هو الذي يمنحها معناها. ولهذا ينتقل الصراع من ساحة السلاح إلى ساحة السرد، ومن القوة المادية إلى القوة الرمزية. ومن هذه الزاوية يصبح الصحفي والمؤرخ والمثقف شركاء في تشكيل الوعي العام.
الذاكرة في مواجهة النسيان
يركز النص على فكرة أن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح أسيرة التكرار التاريخي. وهذه الفكرة تجد جذورها في فلسفة التاريخ لدى George Santayana الذي اشتهر بمقولته: «من لايتذكر الماضي محكوم عليه أن يكرره». في هذا السياق لاتصبح الصحافة مجرد مهنة، بل تتحول إلى مؤسسة لحماية الذاكرة الجماعية من التشويه. فالكاتب يرى أن الخطر الأكبر ليس الحرب ذاتها، بل احتكار روايتها. ولذلك يستحضر فكرة George Orwell حول السيطرة على الماضي بوصفها مدخلاً للسيطرة على المستقبل. إنها رؤية تعتبر أن معركة الحقيقة تبدأ غالباً بعد انتهاء المعركة العسكرية.
المثقف بين الشهادة والمسؤولية
في النص تصور واضح للمثقف بوصفه «شاهداً أخلاقياً». وهنا يمكن ملاحظة أثر أفكار Albert Camus التي ربطت الكتابة بالموقف الأخلاقي، لابمجرد الإنتاج الأدبي. فالمثقف عند عماد أحمد ليس مراقباً محايداً يقف خارج التاريخ، بل فاعلٌ فيه. إنه مطالب بطرح الأسئلة الصعبة، وكشف ما تحاول السلطة أو الأيديولوجيا إخفاءه. ومن ثم تتحول الكتابة إلى شكل من أشكال المقاومة ضد النسيان وضد التزييف. لكن هذه الرؤية تثير سؤالاً فلسفياً آخر: هل يستطيع المثقف أن يكون موضوعياً بالكامل؟ أم أن كل كتابة هي بالضرورة انعكاس لموقع سياسي وثقافي معين؟ النص لايجيب مباشرة، لكنه يلمح إلى أن معيار الشرعية ليس الحياد المطلق، بل الالتزام بالضمير والحقيقة.
من الفلسفة إلى الهوية الوطنية
في النصف الثاني من المقال ينتقل الكاتب من التأمل الفلسفي العام إلى المجال الكردستاني والكردي تحديداً. وهنا تتغير وظيفة النص من التحليل النظري إلى بناء سردية وطنية.  فهو يقدم إقليم كردستان باعتباره نموذجاً للاستقرار النسبي وسط منطقة مضطربة، ويمنح Patriotic Union of Kurdistan دوراً محورياً في صناعة هذا المسار التاريخي.
فلسفياً، يمثل هذا الانتقال محاولة للربط بين الذاكرة الجماعية والهوية السياسية. فالهوية لا تتأسس فقط على الأرض أو اللغة، بل على الرواية المشتركة التي يتبناها المجتمع عن نفسه. ومن هنا يصبح الدفاع عن الذاكرة دفاعاً عن الوجود ذاته.
البعد الخطابي للنص
على المستوى البلاغي، يعتمد المقال على ثنائية متكررة:
* السلاح / القلم.
* الحرب / الذاكرة.
* الحدث / المعنى.
* القوة / الحقيقة.
وهذه الثنائيات تمنح النص طابعاً تأملياً قريباً من الأدب السياسي أكثر من المقال الصحفي التقليدي. فالكاتب لايسعى إلى تقديم معلومات جديدة بقدر ما يسعى إلى إعادة تعريف دور الكلمة في زمن الصراعات. كما أن تكرار صورة «صمت السلاح» يمنح النص بعداً رمزياً، إذ يتحول الصمت من غياب للصوت إلى بداية لظهور صوت آخر هو صوت الوعي والتاريخ.
قراءة نقدية
رغم قوة البناء الفلسفي للنص، يمكن تسجيل ملاحظة نقدية مهمة. فالمقال يؤكد أن التاريخ يجب أن يُكتب بضمير وبعيداً عن المصالح، لكنه في الوقت نفسه ينتقل إلى تبني سردية سياسية محددة حول دور بعض القوى السياسية الكردية. وهنا يظهر التوتر التقليدي بين الخطاب الأخلاقي والخطاب السياسي.
فإذا كان التاريخ يُكتب من زوايا متعددة، فإن أي رواية، مهما كانت نزيهة، تبقى جزءاً من صراع التأويلات. ولذلك فإن حماية الذاكرة لاتتحقق فقط بوجود رواية واحدة، بل بفتح المجال أمام تعدد الروايات والنقاش الحر بينها.
خاتمة
جوهر نص عماد أحمد يتمثل في الدفاع عن فكرة عميقة: أن المعركة الحقيقية بعد الحروب ليست معركة الأرض، بل معركة المعنى. فالرصاص قد يغير موازين القوى، لكن الكلمات هي التي تحدد كيف سيتذكر الناس تلك اللحظات وكيف سيفهمونها.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال «من يكتب التاريخ عندما تصمت الحروب؟» يتحول إلى سؤال أكبر: من يمتلك القدرة على حماية الحقيقة من النسيان، والذاكرة من التزييف، والإنسان من الوقوع مرة أخرى في أخطاء الماضي؟ وهذا ما يجعل المقال أقرب إلى تأمل فلسفي في العلاقة بين الذاكرة والسلطة والهوية، منه إلى مجرد تعليق سياسي على أحداث المنطقة.

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket