اختبار النجاح، الإرث والمستقبل

الآراء 01:39 PM - 2026-06-08
عماد أحمد

عماد أحمد

إن التاريخ لا يتغير أحياناً بسبب الهزائم، بل بسبب النجاحات؛ فالهزيمة تُجبر الإنسان على أن يسأل نفسه: (لماذا سقطت؟)، أما النجاح فكثيراً ما يُنسينا هذا السؤال. وفي تلك اللحظات لا يأتي الخطر الأكبر من الخارج، بل ينبع من الداخل. عندما يتحول الماضي إلى مكان للراحة لا إلى قاعدة للارتقاء، وعندما يصبح الإرث بديلاً عن الحلم، لا مصدراً لحلم جديد.
التاريخ مليء بالأمثلة على دول وحركات وتنظيمات كبرى لم يتمكن أعداؤها من إسقاطها، لكنها أنهكت نفسها تحت ثقل أمجاد الأمس. فقد كانت قوية في النضال، لكنها أظهرت ضعفاً في الحفاظ على منجزاتها وتجديدها. ولهذا فإن أعظم اختبار لأي تنظيم لا يبدأ في مرحلة التأسيس وحرارة الكفاح، بل يبدأ بعد النجاح.
واليوم، في وقت يتغير فيه العالم والمنطقة بسرعة، وتتجدد المعادلات في كل لحظة، فإن السؤال المهم ليس: ماذا تحقق؟ بل: هل ما زلنا نمتلك القدرة والإرادة لصنع شيء جديد؟ فالأمم تُعرف بإرثها، لكنها تكتب تاريخها بمستقبلها وتضمن استمرارية إنجازاتها من خلاله.
وفي تاريخ البشرية والشعوب، كثيراً ما لا يظهر الخطر الأكبر في أوقات الهزيمة، بل في أوقات النجاح. فالهزيمة تدفع الإنسان إلى التفكير، أما النجاح فقد يجعله أحياناً راضياً عن نفسه. وكان الرئيس مام جلال يقول: (لا تغفو فوق باقة زهور النصر). ففي تلك اللحظات تتحول إنجازات الأمس إلى ستار يحجب رؤية احتياجات اليوم، ويتحول الإرث العظيم للماضي، إذا لم يُجدَّد، من رصيد كبير إلى عبء ثقيل على كاهل المستقبل.
إن التاريخ يشبه نهراً لا يتوقف أبداً عند نقطة واحدة. فما كان بالأمس مصدر قوة، إذا لم يُربط بفكر وإرادة جديدين، قد يتحول إلى عائق أمام خطوات الغد. ولهذا فإن الشعوب والتنظيمات الحية هي تلك التي تحترم الماضي، لكنها لا تصبح سجينة جدرانه؛ تصون الإرث، لكنها لا تقتل المستقبل داخل ذلك الإرث.
واليوم يقف إقليم كوردستان والاتحاد الوطني الكوردستاني أمام مرحلة مهمة، مرحلة تستوجب إيجاد توازن سليم بين الحفاظ على الإرث وبناء المستقبل. فالسؤال الرئيسي في هذا العصر ليس ما الذي تحقق، بل كيف يمكن تحويل هذه الإنجازات إلى قاعدة لإنجازات جديدة وخدمة أكبر للمجتمع.
ويشهد التاريخ بأن الاختبار الحقيقي للتنظيمات لا يكون في مرحلة تأسيسها، بل بعد نجاحاتها، لأن صناعة الحلم غالباً ما تكون أسهل من الحفاظ عليه وتجديده. فكثير من الحركات والتنظيمات الكبرى في العالم امتلكت أعظم قوتها خلال النضال، لكن بعد النجاح يبدأ اختبار أكثر صعوبة: اختبار الحفاظ على روح الكفاح في زمن الاستقرار.
وكوردستان اليوم تواجه الاختبار ذاته. فقد ناضلت الأجيال السابقة من أجل حق الوجود، واستشهدت دفاعاً عن اللغة والهوية وحق الحياة. أما جيل اليوم فيواجه سؤالاً مختلفاً: كيف نحافظ على المنجزات؟ كيف نبني حكماً أفضل؟ وكيف لا نجعل الشباب يفقدون الأمل في وطنهم؟ هذه الأسئلة لا تُجاب بالسلاح والشعارات، بل بالفكر والإصلاح وبناء الثقة.
وفي هذا السياق، فإن الاتحاد الوطني الكوردستاني ليس مجرد جزء من تاريخ كوردستان، بل هو جزء من الإجابة عن سؤال مستقبلها. فكل تنظيم وُلد من رحم النضال يصل يوماً إلى مرحلة عليه فيها أن يقرر: هل يكتفي بحراسة إرثه، أم يكون أيضاً صاحب حلم جديد لشعبه؟
إن إرث الرئيس مام جلال لا يقتصر على إنجازاته السياسية، بل يمتد إلى أسلوبه في التفكير. فقد كان يؤمن بأن السياسة هي فن إيجاد الحلول، لا مجرد فن الوصول إلى السلطة. ولذلك أثبت في مراحل عديدة أنه عندما يُغلق باب، يمكن فتح نافذة، وعندما يرتفع صوت الحرب، يجب أن يُسمع صوت العقل أيضاً.
واليوم يتغير العالم والمنطقة بسرعة كبيرة. وفي هذه الظروف لا يستطيع إقليم كوردستان أن يعيش على نجاحات الأمس وحدها. فالمستقبل لا يُدار بأدوات الماضي. ومن الضروري تعزيز المؤسسات، وجعل الكفاءة معياراً، وترسيخ الشفافية والمسؤولية كأساس للحكم. ولهذا يجب ألا يكون الإصلاح مجرد شعار، بل ضرورة وجودية؛ إصلاح في المؤسسات، وفي العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي اختيار الكوادر، وفي إتاحة الفرصة للنساء وللجيل الجديد للمشاركة في عملية البناء. فالسلطة كثيراً ما تتضرر ليس بسبب ضعف القدرة، بل بسبب ضعف الثقة. فالقانون يحمي المؤسسات، أما الثقة فتحمي المستقبل. وكل سلطة تستطيع إصدار الأوامر، لكن السلطة القادرة على الاستمرار هي التي تبني الثقة.
إن الشجرة العتيقة تقف بعمق جذورها، لكنها تعيش بأزهارها وثمارها. فحياة الشجرة لا تُقاس بعدد سنوات عمرها، بل بقدرتها على أن تخلق ربيعاً جديداً. وكذلك هي حال الشعوب والتنظيمات.
فالإرث هو الجذور، أما المستقبل فهو الزهور والثمار. والجذور التي لا تستطيع أن تنبت حياة جديدة تذبل تدريجياً، مهما كان اسمها عظيماً في التاريخ. أما الجذور التي تخلق ربيعاً جديداً كل عام، فإن الزمن لا يستطيع أن يُهرمها.
لذلك فإن السؤال الجوهري اليوم ليس ماذا فعل الاتحاد الوطني الكوردستاني أو ماذا حقق إقليم كوردستان؟، بل ماذا يستطيعان أن يفعلا في المستقبل. فالشعوب تكتسب عظمتها من ذكرياتها، لكنها تعيش بأحلامها. وإذا وُجد حلم جديد، وُجد المستقبل. أما إذا ضاع الحلم، فلن يستطيع حتى أعظم إرث أن يحل مكانه.
وبين الإرث والمستقبل، لا يتحدد المصير بما كان موجوداً، بل بما يمكن صنعه. لأن التاريخ في النهاية لا يتذكر أولئك الذين اكتفوا بحراسة الأمس، بل يتذكر الذين امتلكوا شجاعة صناعة الغد.

ترجمة: نرمين عثمان محمد

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket