النقد،من مرآة الضمير إلى مصباح الخلاص

الآراء 02:59 PM - 2026-05-06
عماد أحمد

عماد أحمد

في هذه الليالي التي يلقي فيها ضباب انعدام الثقة والتردد والخوف بظلاله على حياة شعب كوردستان، لا يوجد سوى مصباح صغير يمكنه أن ينير طريقنا ويُرشدنا إلى السبيل الصحيح، ألا وهو مايسمى ب(النقد)،هذا المصباح، إذا حُمل بيد الضمير وصفاء النية، يصبح دليلاً وهادياً، أما إذا أشعلته الكراهية والضغينة، فإنه يعمّق الظلام ويطيل أمد الليل.
في حياتنا اليومية، يتأرجح النقد غالبًا بين معنيين متناقضين،هجوم غير منطقي قائم على مبدأ (أصم ، أعمى  أهاجم ولا أستثني أحدًا)، أو أداة للإصلاح، غير أن جوهر النقد ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو موقف أخلاقي وسياسي، ومن هذا البعد تحديدًا، قد يتحول أحيانًا إلى تمرّدٍ صاخب، وأحيانًا أخرى إلى قوة خلاص هادئة.
يصبح النقد (سلاحًا مدمّرًا) حين ينبع من الكراهية أو الأنانية أو الجهل، عندئذٍ تُطلق الكلمات كالسهام، ويتحوّل الحوار إلى صراع صامت، وتضيع الحقيقة تحت وطأة المشاعر السلبية التي تحطّم كل شيء وتخنقه،لكن النقد يمكن أن يؤدي دورًا آخر، دور المُنقذ، عندما ينبع من ضمير حي، فيتحول إلى مصباح يكشف الظلمات الخفية ويرى الوقائع بوضوح، هذا النوع من النقد ليس للهدم، بل للبناء، فالكلمات فيه لا تصبح جدرانًا، بل جسورًا، ولا تتحول إلى طرق مسدودة، بل إلى سبل مفتوحة.
النقد الحقيقي أشبه بمرآة، يعكس الإنسان كما هو، لا كما يرغب أن يكون،وهذه هي أصعب أنواع الإضاءة، لأن الحقيقة حين تتجلى لا تترك مجالًا للاختباء.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نمتلك الشجاعة لرؤية هذا النور؟ كثيرًا ما يعشق الإنسان صورته المتخيّلة، ولا يحتمل مواجهة الحقيقة، لذلك يُقال: (في زمن الخداع والتضليل، يصبح قول الحقيقة فعلاًثوريًا). وهذا يعلّمنا أن النقد الحقيقي ليس سهلاً،لا على من يقوله، ولا على من يسمعه.
في المجال السياسي، لا يُعدّ النقد حقًا للمواطن فحسب، بل هو حماية للديمقراطية، فالنقد هو ما يمنع السلطة من التحول إلى قمع بلا حدود،وبدون النقد، تتحول السلطة من عاصفة  إلى فيضانٍ وكوارث، كما أن النقد اختبارٌ للضمير، فمَن يمارسه يضع نفسه في امتحان الصدق، ومَن يصغي إليه يضع نفسه في امتحان الشجاعة، الكلمات، إذا انطلقت من الحقيقة، تفتح الطرق، وإذا خرجت من الكراهية، تغلق الأبواب، وبين هذين الحدّين يُكتب مصير المجتمعات.
إن الاتحاد الوطني الكوردستاني، بوصفه قوة ذات تاريخ وتضحيات، يتحمل مسؤولية كبيرة،فهذه القوة، التي عُرفت بالحوار والتعددية، ينبغي لها اليوم أيضًا أن تكون في طليعة النقد البنّاء، ذلك النقد الذي يحوّل الاستياء إلى مشروع، والاختلاف إلى قوة.
إن دور القوى السياسية لا يقتصر على المشاركة في السلطة، بل يتمثل أيضًا في الإصغاء إلى الصوت الحقيقي للشعب، ومعالجة الأخطاء، وفتح الطريق أمام التجديد، عندها يتحول النقد إلى مصباحٍ للإنارة لا إلى أداة للهدم، لذلك، من الضروري أن نعود إلى الأسس الأخلاقية للنقد، ذلك النقد الذي يضع المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة.
ونود أن نقول للإعلاميين والكتّاب إننا فقط عبر الصدق والنقد البنّاء يمكننا إنقاذ الوطن من أزماته، لأن النقد، في نهاية المطاف، إما أن يكون سلاحًا للهدم، أو مصباحًا يضيء الطريق.

ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى 

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket