ميزانية ذكية أم خصخصة؟
الآراء 10:17 AM - 2026-04-27
حين تُطرح الأسئلة الكبرى في دار الشهيد سلام الثقافي بخانقين
تنعقد اليوم، في قاعة دار الشهيد سلام الثقافي بخانقين، ندوة حوارية تحمل عنواناً يبدو في ظاهره تقنياً وإدارياً، غير أنه يُخفي في باطنه أسئلةً سياسية واجتماعية بالغة الخطورة: “ميزانية ذكية أم خصخصة؟” — ويتفرّع عنها سؤالان لا يقلّان حدّةً: مصلحة المواطن أم المستثمر؟ وترشيد استهلاك أم فساد؟ ولعلّ في اختيار هذه الصياغة الثنائية “أم” لا “أو” دلالةٌ عميقة، إذ تُشير إلى أن الأمر ليس خياراً بين متكافئين، بل هو مواجهة بين مسارَين متعاكسَي الاتجاه.
أولاً: ما الخصخصة؟
الخصخصة ، أو الخوصصة كما تُسمّى في بعض الأدبيات العربية ، هي عملية نقل ملكية المؤسسات أو الخدمات العامة التي تديرها الدولة إلى القطاع الخاص، سواء أكان ذلك نقلاً كليّاً أم جزئياً، مباشراً أم عبر عقود امتياز واستثمار طويلة الأمد.
وقد ولدت هذه السياسة في رحم النيوليبرالية الغربية في سبعينيات القرن الماضي، حين أعلنت مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في أمريكا أن “الدولة هي المشكلة لا الحلّ”، فانطلقت موجة من بيع شركات الطاقة والاتصالات والنقل والرعاية الصحية إلى المستثمرين الخاصين، ثم تمدّدت هذه الموجة لتضرب دول الجنوب عبر وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي اشترطتها على الدول المثقلة بالديون.
في السياق العراقي والكردستاني تحديداً، تعني الخصخصة ، في أحيان كثيرة ، التخلّي عن دعم الكهرباء والماء والوقود والصحة والتعليم، وتسليم هذه القطاعات لشركات توجّهها معادلة الربح والخسارة، لا معادلة الحق والكرامة.
ثانياً: الميزانية “الذكية”- ذكاء لمن؟
الخطاب الرسمي المرافق للخصخصة يُقدّم نفسه دائماً في لغة العقلانية والكفاءة: “ترشيد الإنفاق”، “إصلاح المالية العامة”، “الميزانية الذكية”. وهي مفاهيم تبدو محايدة في واجهتها، لكنها تُضمر في الغالب استراتيجية واضحة: تحويل الحق إلى سلعة، والمواطن من مستحِق إلى زبون.
حين تُقرّر الحكومة أن الكهرباء “يجب أن تُكلّف ما قيمتها الحقيقية”، فإن الذكاء المقصود هو ذكاء السوق، لا ذكاء السياسة الاجتماعية. والفرق شاسع بين الاثنين: ذكاء السوق يُثمّن كلّ شيء بقدرة الدفع، أما ذكاء السياسة الاجتماعية فيُثمّن كلّ شيء بالحاجة الإنسانية.
ثالثاً: مصلحة المواطن أم المستثمر؟
هذا هو جوهر الأزمة. ليس كلّ استثمار عدوّاً للمواطن، وليست كلّ خصخصة كارثة حتمية، غير أن التجارب المتراكمة في العراق وسائر دول المنطقة تُعلّمنا أن الاستثمار الخاص في قطاعات حيوية كالماء والكهرباء والصحة قد أُفضى في معظم حالاته إلى:
• ارتفاع الأسعار بصورة تفوق قدرة الشرائح الوسطى والفقيرة.
• تراجع الجودة حين تتراخى الرقابة الحكومية.
• إقصاء المهمّشين الذين لا يملكون ثمن الخدمة.
• تركّز الثروة في أيدي شركات قريبة من دوائر القرار السياسي.
المواطن في خانقين — كما في سائر مدن العراق — يعيش تحت ضغط تضخّم مستمر وبطالة مزمنة وخدمات عامة متهالكة. فحين يُقال له إن الحل هو “الاستثمار الخاص”، يحقّ له أن يسأل: استثمار خاصّ بالنسبة إلى من؟
رابعاً: ترشيد الاستهلاك أم إضفاء الشرعية على الفساد؟
المفارقة المرّة هي أن الخصخصة في سياقات الفساد المؤسسي تُصبح أداةً لإعادة توزيع الريع لا أداةً لتوزيع الكفاءة. فحين تُباع مؤسسة عامة بأقل من قيمتها لمقرّبين من السلطة، وحين تمنح عقود الامتياز لشركات وهمية أو لواجهات سياسية، فإن “ترشيد الاستهلاك” لا يعني سوى شيء واحد: تحميل الفقراء تكلفة الإصلاح، وإعفاء الأثرياء من ضريبة المسؤولية.
الفساد في منظومة الدعم الحكومي حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن الحل لا يكون بإلغاء الدعم بل بإصلاح آليات توزيعه وتحديد مستحقّيه. فالفرق بين الدولتين الفاشلتين — دولة الفساد ودولة التخلّي — هو فرق بين جحيمَين لا خيارٌ بين جنّة وجحيم.
خامساً: أسئلة الندوة.. وما وراءها
حين يتجمع أهالي خانقين ومثقفوها للاعتراض، فإنهم يُمارسون وعياً سياسياً ناضجاً. إنهم يعرفون من تجربة مباشرة أن كلّ وعد بـ”التحديث” جاء على حساب البسطاء، وأن كلّ خطاب “إصلاحي” كان يُخبّئ خلفه مشاريع ثروة لمَن يمسكون بقرار التنفيذ.
الندوة التي تنعقد اليوم في دار الشهيد سلام الثقافي وهو مكان له دلالته الرمزية العميقة في ذاكرة خانقين الثقافية تستحقّ أن تكون مساحةً لطرح هذه الأسئلة بجرأة وصدق: هل الخصخصة المُقترحة مدروسة وفق معايير اجتماعية واضحة، أم أنها قرار فوقي مُسبق يبحث عن غطاء تقني؟ مَن يحمي المواطن ذا الدخل المحدود حين ترفع الشركة الخاصة فاتورتها؟ ما الضمانات القانونية التي تحول دون تحوّل عقود الاستثمار إلى أدوات إثراء غير مشروع؟ هل ثمة بدائل وسطى — كالشراكة بين القطاعَين مع تنظيم حكومي صارم — تحمي الطرفَين معاً؟
خاتمة: الخصخصة ليست قدَراً
الخصخصة ليست شرّاً مطلقاً، وليست حلّاً سحرياً. هي أداة كسائر الأدوات، تُحدّد قيمتها الأخلاقية من يستخدمها ولمن ولماذا وكيف.
لكنّ التاريخ يُعلّمنا أن كلّ مجتمع يُقرّر التخلّي عن دوره في حماية مواطنيه الأكثر هشاشةً، إنما يُزرع في أرضه بذور غضب عميق، لا يلبث أن يُثمر يأساً ثم غياباً عن الحياة العامة، ثم حين تنضج الظروف احتجاجاً في الشوارع. ولعلّ في احتجاجات خانقين اليوم رسالةً للذين يتسرّعون في إعلان موت الدولة: المواطن ما زال حيّاً، وذاكرته ما زالت يقِظة.
PUKMEDIA
المزيد من الأخبار
-
لاعب كوردي يحقق فوزا مهما في في بطولة آسيا للشطرنج
08:13 PM - 2026-06-04 -
كتلة الاتحاد الوطني تعزي بوفاة المرجع الديني محمد إسحاق الفياض
01:37 PM - 2026-06-04 -
بدء عملية انخراط الحشد الشعبي وارتباطها بالقائد العام للقوات المسلحة
11:04 AM - 2026-06-04 -
الأنواء الجوية: انخفاض طفيف بدرجات الحرارة
10:36 AM - 2026-06-04
الأكثر قراءة
-
وفاة المرجع الديني محمد إسحاق الفياض واعلان الحداد في البلاد
العراق 10:14 AM - 2026-06-04 -
انخفاض أسعار النفط بعد ارتفاع دام لـ3 أيام
إقتصاد 09:52 AM - 2026-06-04 -
تفاصيل الاتفاق المرحلي بين واشنطن وطهران
العالم 09:47 AM - 2026-06-04 -
الرئيس بافل معزيا بوفاة المرجع الفياض: كرس حياته لنشر قيم الاعتدال والتسامح والفضيلة
کوردستان 12:07 PM - 2026-06-04 -
فرقة هوار المسرحیة تشارك مهرجان ليالي أوفير بسلطنة عمان
الوسائط المتعدده 05:37 PM - 2026-06-04 -
بدء عملية انخراط الحشد الشعبي وارتباطها بالقائد العام للقوات المسلحة
العراق 11:04 AM - 2026-06-04 -
كتلة الاتحاد الوطني تعزي بوفاة المرجع الديني محمد إسحاق الفياض
العراق 01:37 PM - 2026-06-04 -
قرار "رمزي" لمجلس النواب الأمريكي يغضب ترامب: لا معنى له
العالم 03:16 PM - 2026-06-04



تطبيق

