كوردستان بين وهم الحياد وضرورة التوازن

الآراء 09:59 AM - 2026-04-04
عباس عبدالرزاق

عباس عبدالرزاق

ليس أخطر على الكيانات الصغيرة من أن تعتقد أن بإمكانها الوقوف خارج صراعات الكبار، في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض على الحدود، بل تمرّ فوقها، عبر سماءٍ مفتوحة وقراراتٍ تُتخذ عن بُعد. في هذا المشهد المعقّد، يجد إقليم كردستان نفسه أمام معادلة قاسية: حيادٌ يبدو مستحيلًا، وتوازنٌ بات ضرورة لا خيارًا.
في مقاله الأخير، يقدّم عماد أحمد قراءة عميقة لتحوّل الحروب من مواجهاتٍ تقليدية إلى صراعاتٍ تُدار بالتكنولوجيا، حيث تحلّ الخوارزميات محلّ الجنود، وتتراجع المواجهة المباشرة لصالح قراراتٍ باردة تُتخذ خلف الشاشات. وهي قراءة دقيقة، لا سيما في توصيفها لتآكل البعد الأخلاقي للحرب، وتحولها إلى فعلٍ تقني منزوع الحسّ الإنساني.
وتتجلى أهمية هذا الطرح أكثر حين يضع إقليم كردستان في قلب هذه التحولات، بوصفه ساحةً تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية دون أن يكون صانعًا لها. غير أن خطورة هذا التوصيف تكمن في احتمال تحوّله من تحليلٍ واقعي إلى قناعةٍ ضمنية بأن هذا الموقع قدرٌ لا فكاك منه.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي.

فالتاريخ، رغم قسوته، لا يُعاد فقط لأن الجغرافيا ثابتة، بل لأن الإرادة السياسية تفشل في إعادة تعريف دورها داخل هذه الجغرافيا. صحيح أن الإقليم محاط بقوى متصارعة، وأن الحياد الكامل يبدو خيارًا نظريًا أكثر منه عمليًا، لكن ذلك لا يعني الاستسلام لمنطق “الساحة المفتوحة”.
المشكلة ليست في توصيف الواقع، بل في التوقف عنده. إن التحدي الذي يواجه إقليم كردستان اليوم لا يكمن في البحث عن حيادٍ مطلق، بل في بناء توازنٍ ذكي يُمكّنه من إدارة علاقاته مع الأطراف المتصارعة دون الانخراط في صراعاتها. فبين وهم الحياد وخطر الاصطفاف، يبرز التوازن كخيارٍ معقّد، لكنه الأكثر واقعية.
غير أن هذا التوازن لا يمكن أن يُبنى في ظل هشاشة داخلية. فبدون: وحدة سياسية حقيقية ،  و  تقليل الانقسام الحزبي و  خطاب وطني موحد
يصبح أي حديث عن الاستقلال في القرار أقرب إلى الطموح منه إلى القدرة.
كما أن الاستقلال السياسي لا ينفصل عن الاستقلال الاقتصادي. فالتبعية لطرفٍ واحد، خصوصًا في الموارد الحيوية، تُقوّض بالضرورة إمكانية اتخاذ موقف متوازن. ومن هنا، فإن تنويع العلاقات الاقتصادية ليس خيارًا تنمويًا فحسب، بل ضرورة سيادية.
ومع ذلك، ينبغي الاعتراف بأن الإقليم لا يتحرك في فراغ. فهناك ضغوط إقليمية ودولية، إضافة إلى فواعل غير رسمية، تفرض إيقاعها على المشهد، ما يجعل “الحياد” عملية تفاوض مستمرة، لا قرارًا نهائيًا. وهذا ما يفسر لماذا تبدو الحدود بين التوازن والانزلاق أحيانًا رفيعة وخطرة.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن طرح عماد أحمد يفتح بابًا مهمًا لفهم طبيعة المرحلة  ،  لكنه  يحتاج  إلى استكماله بسؤال الإرادة:
هل كردستان محكومة بأن تبقى ساحة، أم قادرةولو جزئيًا—على أن تكون فاعلًا؟
إن الانتقال من موقع “القابلية للتأثر” إلى “القدرة على التأثير” لا يتطلب امتلاك القوة العسكرية فقط، بل يحتاج إلى وضوح في الرؤية، وصلابة في الداخل، ومرونة في إدارة العلاقات. ففي زمن الحروب الذكية، لم يعد السلاح وحده مصدر القوة، بل القدرة على تجنب استخدامه.

الخاتمة

في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُعلن، بل تقع فجأة، لم يعد البقاء للأقوى عسكريًا فقط، بل للأكثر وعيًا بموقعه وحدود قوته. وكردستان، التي دفعت طويلًا ثمن جغرافيتها، تقف اليوم أمام لحظة حاسمة: إما أن تظل ساحةً تُدار فوقها الصراعات، أو أن تتحول (بقدر ما تسمح به الظروف ) إلى عقلٍ سياسي يُدير توازنه داخلها.
فالحياد لم يعد ملاذًا آمنًا، بل قد يكون وهمًا مريحًا، أما التوازن فهو الخيار الأصعب… لكنه الخيار الوحيد الذي يصنع الفرق بين كيانٍ يُستهلك في معارك الآخرين، وكيانٍ ينجو منها دون أن يفقد نفسه.
وهنا، لا يكون السؤال: كيف نحتمي من العاصفة؟
بل: كيف نخرج منها… دون أن نتحول إلى حطام.

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket