تحارب الآخرون وخسرنا نحن
الآراء 02:52 PM - 2026-03-25
منذ اللحظة الأولى لانفجار المواجهة في 28 فبراير/شباط 2026، بدا واضحاً أن الحرب لا تسير وفق خططها المعلنة، فحربٌ عنوانها العريض كان صداماً بين واشنطن وطهران، لكن المتن الحقيقي كان صداماً في أماكن أخرى، في عواصم لم تُطلق رصاصة واحدة لكنها تلقت الضربات.
الولايات المتحدة التي دخلت الحرب تحت لافتة الردع، وجدت نفسها في معادلة أكثر تعقيداً، رئيس يحاول ضبط إيقاع الحرب وحليفٌ يدفع باتجاه رفع السقف ومؤسسة عسكرية تُنفق مليارات الدولارات يومياً دون أفقٍ واضح للنهاية، خلال أيامٍ معدودة تحولت الحرب إلى ماكينة استنزاف مالي مفتوح، أرقامٌ تُصرف بلا حساب، مقابل أهدافٍ تبدو متحركة أو ربما متضاربة من الأساس.
وفي وسط هذا الارتباك الواضح يبرز خللٌ عميق في تعريف الشراكة، هل ما يجري هو تنسيق بين حلفاء أم انجرافٌ نحو أجندة طرفٍ واحد؟، وعندما تتباين الأهداف بين من يملك القرار السياسي ومن يدفع كلفة التنفيذ فإن النتيجة لا تكون نصراً بقدر ماتكون تراكم خسائر مؤجلة.
إذا كانت واشنطن تدفع من خزينتها فإن دول الخليج دفعت من أمنها مباشرةً؛ منذ سنوات، بُنيت العقيدة الأمنية الخليجية على ان الوجود الأمريكي يشكل مظلة حماية والقواعد العسكرية تمثل خط دفاع متقدم، غير أن هذه الحرب قلبت المعادلة رأساً على عقب؛ فجأة، تحولت تلك القواعد إلى نقاط جذب للخطر وأصبحت المنشآت النفطية والاقتصادية أهدافاً محتملة في أي تصعيد، الضربات الإيرانية وضعت قواعد جديدة لهذه الحرب، مئات الصواريخ والطائرات المسيرة التي عبرت سماء المنطقة كانت تقول انه لا يوجد مكان آمن في الحروب الحديثة.
وهنا تظهر مفارقةٌ عجيبة، دولٌ حاولت النأي بنفسها فأُقحمت، وسعت إلى التهدئة فوجدت نفسها في قلب العاصفة، الضرر لم يتوقف عند الجانب الأمني بل امتد إلى عمق الاقتصاد، مشاريع كبرى وُضعت على أساس الاستقرار، استثماراتٌ تحتاج بيئة آمنة، رؤى تنموية طويلة الأمد، كل ذلك بات معلقاً على إيقاع التوتر؛ رأس المال بطبيعته لا يحب المناطق الرمادية وعندما تصبح المنطقة بأكملها مساحة احتمالات مفتوحة فإن أول ما يتبخر هو الثقة.
أما العراق، فقصته مختلفة أو ربما أكثر قسوة، العراق لم يدخل الحرب لكن لم يُسمح له بالبقاء خارجها، موقعه الجغرافي، تركيبته السياسية ووجود الفاعلين المسلحين على أرضه، كلها عوامل جعلته ساحةً مفتوحة لا لاعباً مستقلاً.
السيادة تُختبر يومياً في بغداد تحت وقع الضربات، لا الحكومة قادرة على منع الفصائل من الانخراط ولا هي قادرة على منع الردود التي تأتي من الخارج، والنتيجة دولة تُدار تحت ضغط مزدوج، داخلي وخارجي، دون هامش مناورة حقيقي.
لكن الضربة الأقسى والاشد إيلاماً وتأثيراً لم تكن عسكرية بل اقتصادية، بلد يعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل يجد نفسه فجأةً أمام اختناق تصديري، مضيقٌ مغلق، إنتاجٌ متراجع، وإيراداتٌ تتبخر، في لحظةٍ كان فيها بالكاد يحافظ على توازن مالي هش، ومع توقف إمدادات الغاز تعود أزمة الكهرباء لتفتح جرحاً قديماً سرعان ما يتحول إلى غضبٍ في الشارع، العراق هنا لا يخسر حرباً عسكرية بل يخسر قدرته على التحمل والصمود.
إسرائيل اليوم في موقع مختلف، ارادت تحقيق ما يمكن تسميته نصراً وظيفياً سريعاً، ليس بالضرورة نصراً كاملاً، فإذا بها تجد نفسها قد دفعت المنطقة بأكملها لاضطراب امني ستدفع ثمنه لوقت طويل، نقلت المواجهة إلى مستويات أعلى ونجحت في جر أطراف أخرى إلى ساحة لم تكن ترغب بدخولها، لكن هذا النجاح يحمل في داخله بذور تحديات لاحقة، فالعلاقات التي بُنيت في سنوات التهدئة خصوصاً مع بعض دول الخليج، لن تبقى كما كانت، الثقة عندما تتصدع تحت ضغط الحرب لا تعود بسهولة حتى لو توقفت العمليات العسكرية.
ما بعد هذه الحرب لن يكون امتداداً لما قبلها، بل متقاطعاً معه، نحن أمام إقليم يعيد تعريف تحالفاته، دولٌ تعيد حساباتها وأخرى تبحث عن توازنات جديدة، توازناتٌ تجنبها أن تُستخدم ساحةً لصراعات الآخرين.
الدرس الاقسى الذي نتعلمه من هذه الحرب، ان الحياد لم يعد كافياً للحماية والاصطفاف لم يعد ضمانة للأمان، وبين هذا وذاك، يحق لنا ان نسأل؛ هل كانت هذه الحرب ضرورةً فرضتها التهديدات أم إختياراً صُنع في غرف القرار، ثم فرض على المنطقة كلها لتدفع ثمنه؟
وهل ما نشهده اليوم هو مجرد جولة في صراع طويل، أم بداية لانهيار نمطٍ كامل من العلاقات بُني على افتراضاتٍ لم تعد صالحة؟
كل إحتمالٍ وارد، لكن الشيء الوحيد المؤكد ان امريكا واسرائيل تحاربان في ارضٍ ليست ارضهم، وفي سماءٍ ليست سمائهم؛ وبالتالي، فإن كل مايحدث وسيحدث لن يكون ذو تأثير قوي عليهم كما سيكون على دول المنطقة، التي صحت ذات يومٍ لتجد نفسها في حربٍ لاناقة لهم فيها ولا جمل، ومع ذلك هم المتضرر الاكبر منها.
PUKMEDIA
المزيد من الأخبار
-
المفوض الأممي لحقوق الإنسان: الهجمات قرب المواقع النووية تنذر بالتصعيد
12:18 PM - 2026-03-25 -
النعمان: اعتقال عدد من منفذي الهجوم على الأراضي السورية
11:20 AM - 2026-03-25 -
الأنواء الجوية: أمطار مستمرة إلى الأحد وانخفاض بدرجات الحرارة
10:19 AM - 2026-03-25 -
الإطار التنسيقي يدين استهداف مؤسسات الدولة والبعثات الدبلوماسية
09:44 AM - 2026-03-25
الأكثر قراءة
-
كتلة الاتحاد الوطني: استهداف القوات الأمنية انتهاك صارخ لسيادة العراق
العراق 08:57 PM - 2026-03-24 -
ترامب: قريبون من عقد اتفاق مع إيران ونسعى لذلك
العالم 11:14 PM - 2026-03-24 -
مجلس الوزراء يدين استهداف البيشمركه ووزيرة المالية تطمئن: الرواتب مؤمنة
العراق 07:54 PM - 2026-03-24 -
العراق: تقديم شكوى لدى مجلس الأمن وتسليم مذكرتي احتجاج لواشنطن وطهران
العراق 10:03 PM - 2026-03-24 -
استشهاد وإصابة 20 بأستهداف مستوصف الحبانية العسكري
العراق 11:26 AM - 2026-03-25 -
تواصل الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل رغم الحديث عن مفاوضات
العالم 10:31 AM - 2026-03-25 -
الحرب الايرانية الامريكية تتصدر عناوين الصحف العالمية
العالم 03:03 PM - 2026-03-25 -
رئاسة مجلس النواب: استهداف القوات الأمنية أمر مرفوض ويستدعي موقفا موحدا
العراق 08:37 PM - 2026-03-24



تطبيق

