الكرد في عالمٍ مخيف.. إشكاليات وتحديات السلام والاستقرار

الآراء 02:42 PM - 2026-01-15
د. عدالت عبدالله*

د. عدالت عبدالله*

المادة التي يطّلع عليها القارئ هنا هي أحد محاور ندوة علمية نظّمتها جامعة راپەڕین- مجمّع قلعة دزة، بتاريخ 2/12 /2025، تحت عنوان: “دور السلام والاعتدال في بناء مجتمع مستقر”. ويمثّل هذا المحور خلاصةً لمداخلة الندوة التي قدّمها د. عدالت عبد الله.

ملاحظات عامة وجملة من الحقائق
إن موضوع هذه الندوة جديرٌ بنقاشٍ أطول وأوسع، غير أننا سنكتفي هنا بعرض جملة من الملاحظات العامة وبعض الحقائق.
ولا يُقصد بهذه الملاحظات والحقائق بثّ اليأس أو التراجع عن إرادة السلام والاعتدال، بل تهدف أساسًا إلى تشخيص المشكلات النظرية والعملية التي تعترض مسار السلام والاعتدال في العالم، وتمنع تحقق الاستقرار بعيد المدى أو الاستقرار الدائم.
ومن جانب آخر، فإن تنظيم هذه الندوة جاء  للأسف  متزامنًا مع تصاعد نوع من اللا استقرار واللجوء إلى بعض أشكال العنف في معالجة الاحتجاجات المجتمعية، ولا سيما ما جرى في قرية لاجان وقضاء خبات.
كما تزامن ذلك مع عملية السلام في شمال كردستان بين الدولة والكرد، ومع الحوارات والمفاوضات بين غرب كردستان والحكومة السورية الجديدة، عقب توترات وأزمات أعقبت الاتفاق الموقع بين الطرفين في 10 آذار من هذا العام في دمشق.
إن انعقاد هذه الندوة في ظل هذه الأحداث يمنحها قيمةً معنوية خاصة، ويؤكد أهمية اهتمام  هذه المؤسسة الأكاديمية بقضايا السلام والاعتدال والاستقرار في البلاد، ويُظهر انخراطها في الفضاء العام وفي القضايا المصيرية للمجتمع.

السلام وأطروحة إيمانويل كانط
بدايةً لا بد من القول: إن جميع أحداث الحروب والصراعات والمجازر ،سواء على المستوى الدولي أم داخل الدول ،تؤكد بوضوح أطروحة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724–1804م ) حول السلام، التي عرضها قبل أكثر من قرنين في كتابه:”السلام الدائم: مشروع فلسفي” (1795).
يقول كانط:
“السلام ليس مجرد توقف الحروب، كما أنه ليس حالةً طبيعية، بل هو غاية يجب تحقيقها”،ويذكّرنا كذلك بأن السلام الدائم هو مشروع عقلاني وقانوني ويذكرنا بوضوح بأن الدولة التي يحكمها العقل والقانون، ويتمتع شعبها بالحرية، لا تميل إلى شنّ الحروب، لأنها هي من سيتحمل كلفتها وأعباءها.
ولهذا، فإن دعوة كانط هي دعوة إلى الحكم الجمهوري الديمقراطي، وفصل السلطات، واحترام حقوق الإنسان،وتؤكد أطروحته أن السلام والاستقرار ليسا معطيين سهلين أو جاهزين، بل إن هذه الرؤية وحدها كافية كي لا نعيش وهم الاستقرار المؤقت، ولا نتصور أننا نعيش في عالمٍ آمن.

قضية دولية
 أولاً :نذكر بأن  قضايا السلام والاعتدال والاستقرار ليست قضايا محلية أو خاصة بشعوبٍ بعينها ، حتى تلك التي كانت ضحية الحروب والتي نعد نحن منها، بل هي قضية دولية حيّة تشغل العالم بأسره.
فالحروب والصراعات والعنف خلال القرن الماضي لم تستثنِ بلدًا واحدًا، ما يعني أن الحرب ليست شأنًا إقليميًا محدودًا، بل ظاهرة عالمية.
السلام كحقلٍ علمي
ثانياً: أصبحت قضايا الحرب والسلام اليوم محور اهتمام العديد من الحقول العلمية، مثل:
العلوم السياسية، العلاقات الدولية، علم الاجتماع، الجغرافيا، الاقتصاد، الإعلام والاتصال، علم النفس، القانون الدولي، دراسات التنمية، حقوق الإنسان، وغيرها،أي إنها تحولت إلى مجال معرفي تُدرس باستخدام مناهج متعددة، مثل:
تحليل النزاعات، دراسات الحالة، التحليل البنيوي، تحليل الخطاب الإعلامي للكراهية، المقارنة الدولية، البحوث النوعية والميدانيةو العديد من النظريات الأخرى في مجال العلوم الإنسانية والإجتماعية.
كما أصبحت  مسألة النزاع و السلام منذ قرابة قرن حقلاً أكاديميًاوعلميا  مستقلاً يُعرف بـ “علم السلام”  وكان من أبرز مؤسسيه المفكر النرويجي يوهان غالتونغ (1930–2024)، الذي أسس مع آخرين  من الباحثين الذين عاصروه معهد أبحاث السلام في أوسلو.
ويُعنى هذا الحقل بدراسة أسباب العنف والحرب، وشروط تجنب النزاعات، وبناء السلام الدائم. وبالطبع لها مجموعة من  المفاهيم الأساسيةمنها :
السلام السلبي: الاكتفاء بوقف الحرب فقط.
السلام الإيجابي: غياب العنف البنيوي، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية.
العنف البنيوي: الناتج عن الفقر والتهميش والاستغلال.
العنف الثقافي: تبرير العنف عبر الدين أو الإعلام أو الأيديولوجيا.

اهتمام بلا نتائج!
ثالثاً: رغم الاهتمام الواسع بقضايا السلام والاستقرار من قبل الدول الكبرى، والمنظمات الدولية، والمؤسسات الأكاديمية، فإن الحقيقة المرّة هي أن حلولاً جذرية ودائمة لكثير من النزاعات لم تتحقق حتى الآن.
واستمرار الحروب والعنف في مناطق عديدة من العالم دليل على وجود خلل عميق، إما في صدق هذا الاهتمام، أو في إرادة القوى والدول والمؤسسات المتنفذة المسؤولة عن إدارة هذه القضايا.

إشكالية أزلية
رابعاً: إن قضايا الحرب والسلام والاستقرار ذات جذور تاريخية عميقة، وهي من القضايا الأزلية.
وكما أن السعي إلى العدالة والحرية نزعة إنسانية أصيلة ، كما يقول المفكر إدوارد سعيد (1935-2003م)في كتاب (صورالمثقف) فإن الصراع والسعي إلى السلام والاستقرار هما أيضًا نزعتان أزليتان.
وهذا يعني أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذرية للأسباب البنيوية للصراع.
فمثلاً:
اتفاق 11 آذار 1970 بين الحكومة العراقية والحركة الكردية لم ينهِ الصراع.
مفاوضات 1984 بين الحركة الثورية الكردية والنظام السابق لم تؤسس سلامًا حقيقيًا.
سقوط نظام صدام حسين عام 2003 لم يعنِ نهاية الحروب والدمار في العراق.
وعليك أن تنتظر دائما أن ترجع الى احتمالية عدم الإستقرار والعنف وحروب أخرى ،ففي مثال العراق أوضح واقع مابعد عملية التحرير بشكل واضح هذه الحقيقة دون الإحتياج الى أي دليل .

إرادة مستمرة ولكن!
 خامساً : أظهرت تجارب المجتمع البشري على مر التأريخ بأنه كما إن الحروب والصراعات مستمرة فإن إرادة السلام والإستقرار إرادة حية في المجتمع البشري ، هذه حقيقة جيدة ، وتبعث على قليلٍ من الأمل في عالم لا ينقطع عنه الحروب والعنف، بمعنى إنهُرغم جميع الصراعات فإنَ إرادة السلام موجودةٌ دائماً ولم تتجمد ، وكما يقول العرب فإنَنها دوامةٌ تأريخية ، لكن سر حيوية هذه الإرادة ليست نتيجة لطبيعة الإنسان ولكن سره يكمن للأسف في إنً الحروب و الصراعات في  داخل المجتمع البشري وفي هذا العالم أتخذت بُعداً حتمياً .
بمعنى أوضح ،فإنَ إرادة السلام في العديد مبقاع هذا الكون الفسيح هي نتيجة وجود الحروب والصراعات أو تحت تـأثير ظِلال الحروب ،أو خوفاً من إستِعمال الأَسلِحة النووية ، خصوصاً للدول التي تمتلك اسلحة الإبادة الجماعية هذهِ، ، وهي ليست مشروعاً عقلانياً وقانونياً مستمرأً كما صاغها وطلبَها عمانؤيل كانت في إطروحَتِه وكِتابِهِ الشَهير.

مفارقة: الحرب من أجل السلام!
سادٍساً : من جهة أخرى ، من المواضيع التي تحتاج وقفةً و تظهربأنَها مفارَقَةُ لافِتة  في خطاب السلام والسلم والإٍتِقرار هو أن مجموعةٌ من النظريات السياسية والاجتماعية ترى بأن الحرب والعنف قد يكونان وسيلة لسلم واستقرار يطول مداه أكثر ، أي إن َ بعض النظريات السياسية والإجتماعية تعتبر العنف أو الحروب وسيلة لإعادة بناء النظام وفرض سلامٍ جديد، سواء عبر الردع، أو توازن القوى، أو إعادة توزيع السلطةأو عبر التغييرات الإجتِماعية والتأريخية ، بحسب هذه النظريات ليس شرطاً أنيخلق اجتِناب الحروب في كل حلاته السلم والإستقرار ، وخصوصا إذا لم يكن جزءاً من نظام التفكير والتصرف عند الجميع كافرادٍ أو جماعاتٍ أو دول ،أي انها لم تصبح مشروعاً عقلانياً وقانونياً يخلق الإلتزام .
ومن هذه النظريات على سبيل المثال لدينا :
نظرية السلام عبر القوة: وتتألف إفتراضاتها من إن إمتلاك قوة عسكرية كبيرة يعيق المنافسين عن أشعال فتيل الحروب ، كما إنه يعتقد بأن السلام يتحقق عندما تنسحب الجهة المعتدية من نية  إشعال الحروب بسبب خوفها من رد الفعل ، وهذه النظرية تطبق من قبل عديد من القوى العظمى والدول اكبيرة منذ زمن بعيد.
نظرية توازن القوى : والت تفترض بأنه في بعض الأحيان يخلق الحرب التوازن بعد أن تهمين دولة على الدول الأخرى ، وتعتقد بأنه بعد الحرب يتولد سلام جديد في الساحة ، لن القوى ترجع الى مستوىً يمنع فيه التسلط والهيمنة .
وكذلك هناك نظرية الحرب العادلة التي تعود في الأساس الى أطروحات ورؤى الفيلسوف واللاهوتي المسيحي سان أوغسطين (430-354)والفيلسوف واللاهوتي المسيحي الإيطالي  توما الأكويني(1274-1225)ويرى الأكويني أن الحرب قد تكون أخلاقية في حالات الدفاع عن النفس، أو رد العدوان، أو استعادة حق مغتصب، شريطة أن يكون هدفها النهائي تحقيق السلام لا الانتقام أو التوسع، السلام في في وجهة نظر أكويني تصب آخر هدفٍ للحرب ، ويظن بأن الحروب في فحواها لا تحمل خيراً ،بل هي عبارة عن شرٍ عليكَ أن تتحمله إضطِرارياً ،وتمنح رؤية ألكويني هذه مشروعيةً لنضال ومقاومة الشعوب المضطهدة  ومنها الشعب الكردي ، وتمنح قيمةً عاليةً  لنضال وثورة وا،تفاضة الشعوب المضطهدة ولذل فهي ليست دعوةً للحرب  بقدر ماهي دعوة الى حرب عادلة في مواجهة الظلم والاحتلال وألإعتداء وهيمنة الدول.
ويفسّر هذا النهج سبب كون العراق أحيانًا «أولوية مركزية» وأحيانًا «مسألة ثانوية»، ولماذا تتأرجح السياسة الأمريكية فيه بين البعدين العسكري والسياسي،وفي المحصلة، فإن السياسة الخارجية الأمريكية في العراق تقوم أساسًا على إدارة الأزمات وفق المصلحة والنتائج، لا على أساس حل المشكل بالإعتماد على أساس أخلاقي أو أيديولوجي دائم.

-2-
سابعاً: التفسيرالإيجابي والواقعي للحروب ومشاهدة العنف والصراعات الدموية: يُعتبر العنف أحيانًا، وفي بعض الظروف، ضروريًا ومشروعًا، كما أشار بعض المفكرين مثل سان أوغسطين وتوما الأكويني، سواء من خلال فكرة القوة المتناغمة، أو تحقيق السلام عبر القوة، كما يوجد في بعض النظريات السياسية والاجتماعية. في النهاية، هناك حقيقة عامة مفادها أن الفكر والإرادة الساعية للسلام، والجهود الداخلية والدولية لحماية السلام، تجعل من عملية تحقيق الاستقرار والهدوء أكثر صعوبة.
هذا التفسير والتناول للعنف والحروب لا يقتصر على نشاط معرفي أو فكري فقط، بل يشكل جزءًا من المنهج الفلسفي لقسم واضح من الفلاسفة المشهورين في التأريخ ، خصوصًا في الفلسفة الغربية.
هذه الفلسفة، التي بدأت في مرحلة اليونان القديمة (القرن السادس قبل الميلاد)، واستمرت حتى العصور الوسطى وبعدها أتت الفلسفة الحديثة ومن ثم الفلسفة المعاصرة ، تركت أثراً كبيراً على مسار التأريخ وأحداثهِ  ، وعلى الحضارة الإنسانية بشكل عام.
 أخذت الفلسفة الغربية، عبر سيطرة الأفكار الأوروبية من جهة، والسيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية  للغرب نفسه بصورة عامة من جهة أخرى، تصبح تراثاً حياً وفاعلاً في منهج التفكير ومنظري السياسة والأنظمة السياسية في العالم، خصوصًا فيما يتعلق بالتعامل مع ثنائية الحرب والسلام، ونُظمت عبر الرؤية اللاهوتية والدينية حين تتشابك عناصر الدين والسلطة، وتُختبر في الواقع، فتتولد الصراعات وعدم الانسجام.

الحرب ومقاييس مبرراتها
على سبيل المثال، عند اليونانيين القدماء،التي تعتبر أرضية وموطن  الفلاسفة الكبار ، كانت الحرب والتي تسمى ب(بوليموس) تحمل أهدافًا أوسع من مجرد المفهوم العدلي  التي نراها  للحرب، بعض معاني الحرب عند اليونانيين تجسدت في رموز مثل : الشجاعة، الكرامة ، البطولة والمجد وحتى أعتباره واجب وضرورة للقضاء على الهمجيين والبرابرة وجميع من لايتكلمون باللغة اليونانية وليسوا أصحاباً للعقل والفلسفة والقانون المدينة والديمقراطية الأسينية.
أكثر من ذلك، كانت إحدى مبادىء  اليونانيون  هو أنهم يرون في أغلب الأحيان  أن كون الشخص محاربًا هو جزء من هويته، مثل فلسفة هيراقليطس (535-470 ق.م) التي اعتبرت الحرب  أماً لجميع الأشياء ومبدأًعالمياً وليس مجرد حدث عسكري عارض، ولهذا كانت الحرب في تلك الحضارة وفي تراثهم الفلسفي ذات معنىً ودلالة ً إستثنائيةً كبيرةً أطلقت عليها.
في معظم الديانات السماوية والأرضية على نفس الشاكلة ، توجد عباراتُ و  مفاهيم تلعب دورًا كبيراً  في تحديد مصير تعايش الشعوب والسلام والاستقرار، بل وأصبحوا سبباً لنوع من تهدئة التصادمات الدموية  وعمليات التطبيع والأشكال  المختلفة للعنف،  مثل مبادىء تصنيف الآخرين على أنهم كفار، مرتدون، بلا دين، زندقة، أو هرطقييين أو عبدة أصنام ومنافقون……إلخ ، خصوصًا في العصور التي سيطر فيها الدين على مؤسسات السلطة، مستخدمًا الرسائل الدينية والخطابات الهادفة للسلام والسلطة لتشكيل أيديولوجيات وعمليات فتح الدول والحروب الدينية، كمانرى  في تجربة مرحلتي سلطة الخلافتين الراشدية والأموية وفي الوجه الدموي للفتوحات الإسلامية  (في القرنين السابع والثامن الميلادي) وكذلك في الهجمات والحروب القاسية التي قادتها الحملات الصليبية (1096-1291)، التي خلقها المسيحيين اللاتينيين والكاثوليكيين الأوروبيين ناهيك عن الحديث عن الحروب والحملات الدموية في التأريخ المعاصر والتي حدثت وتحدث تحت أسماء الجهاد والشريعة والدولة الدينية ، والتي محت السلام والإطمئنان في أكثر من دولة وقارةٍ في العالم وكوردستان كانت دائماً إحدى هذه الضحايا.

الحرب والسلام ، الدين والفلسفة
 في نفس السياق  على سبيل المثال، عندما يناقش لاهوتي مثل  توما الأكويني،  مفهوم الحرب العادلة تحت تأثير الفلسفة الرومانية واليونانية، وبالأخص فكر الفيلسوف الروماني سيسيرو (106-43 ق.م)، الذي قدم حجة أخلاقية وسياسية للحرب تركز على حماية الناس / المجتمع.باللجوء الى العنف في سبيل الرد على الأعداء و هذا التفسير الفلسفي للحرب لا يظهر عند شيشرون فقط بل يظهر أيضًا ولكن مع بعض الشروط  في أفكار أفلاطون (427-347 ق.م).
الحرب من وجهة نظر  أفلاطون وأرسطو
على الرغم من أن أفلاطون ينتقد الحرب وله رؤية نقدية حول الحرب ، إلا أنه يرى أن هناك دافعًا فطريًا (غريزيًا) لدى الإنسان أحيانًا، وقد يصبح ضروريًا في ظروف معينة، لكن هناك ملخصاً  أخلاقياً ضرورياً لتوجيه الحرب بهدف تحقيق سلام دائم.
أما أرسطو (384-322 ق.م)، فيرى أن أسباب الحروب تنبع من عاملين: الأول هوفكرة تسلط  نزاع داخلي نفسي في داخل الإنسان ، والثاني هو البيئة الاجتماعية المفروضة في تربية النزاعات والحروب ،من جهة أخرى  يرى أرسطو أن سيادة نظام سياسي سلمي يتطلب مشاركة المواطنين في هذا النظام ، لأنها تضمن استمرارية النظام،بمعنى إن هذا الفيلسوف اليوناني يرى من وجهة نظره  إن  الحرب والسلام مرتبطين بالعدالة والمشاركة السياسية،وبالتحديد بمشاركة المواطنين في الحياة السياسة  وعدا ذلك تصبح الحاجة للصراع والعنف أحيانًا ضرورية للحفاظ على الاستقرار.
أبسط النتائج في نظرنا لهذه الرؤية و المخرجات العملية لهذه النظرية الفلسفية هي أنها تجعل  الحروب والعنف قدراً منتهياً لجميع الدول والمجتمعات التي يكون نظامها السياسي غير عادل وغير ديمقراطي والمواطنون فيها مهمشون وليس لهم فيها أي دور ،وهذه فرضية تمثل في الواقع حقيقة بارزة وتصويراً واضحاً لظروف العشرات من الدول في عالمنا الحالي المخيف والتي تمثل تحدياتٍ كبيرةٍ لإستقرار نظام حكم الكورد نفسه والدول التي انقسم عليها الكورد من دون أن يثبتوا له حق المواطنة الكاملة.

توماس هوبز ومنطق الحفاظ على السلام والإستقرار
وفقًا لهوبز (1588-1679م)، الشغف  لتوفير السلام والاستقرار الحقيقي  غالبًا  يجعل السلام نوعاً من الوهم   يربط هذا الفيلسوف الإنجليزي الحرب بغريزة البقاء والحالة الطبيعية ، ففي وجهة نظره  الحالة الطبيعية عبارة عن حرب مستمرٍ وليس السلام ،بل يعتبره حرب الجميع على الجميع لأن هذا مرتبط بالطبيعة البشرية ،  في وجهة نظره أن مايحرك الإنسان الطبيعي عبارة عن حوافز الحب والرغبة والطموح والإنتصار على الآخرين ،ولتصويرهذه الحالة الطبيعية لديه مقولة مشهورة حيث يقول:”الإنسان ذئب لأخيه الإنسان “وهي عبارة أخذها من الكاتب الروماني سينيكا.
تتلخص نظرية هوبز لوضع حدود للحروب والطمع ومخاوف البشر تجاه سلام الآخرين وتجاه السلام والتعايش في أن يتواجد عقدُ إجتماعيُ بينهم ويتألف جوهر هذا العقد من التفاوض حول سلطة مطلقة تحمي كلُ منهم من وحشية الآخر وتثبت السلام والإستقرار .
وفي وجهة نظرنا ، إن فحوى هذه النظرية الهوبزية  للحرب والسلام تتلخص في تغير الدولة الى تنينٍ  كبيرِ بكل وضوح ، الى سلطة ديمقراطية مطلقة ، بل الأكثر من ذلك فتح يد الفئة السياسية الحاكمة لتحقيق السلام والإستقرار بسلطة القوة وعن طريق العنف ،وهذا في حد ذاته من منظورنا يعتبر تخريب آخر لمبادىء السلام وإقرار ظروفِ غير مستقرة وفرض سلامِ مزيفِ والذي لن يدوم بالتأكيد وكذلك إينما طبق على وجه الأرض فإنه سيحرض المجتمعات والدول ضد بعضها ، بالضبط مثل واقع الظروف غير المستقرة والمليئة بالصراعات لجزء بارزِ من دول العالم الثالث ومنطقة الشرق الأوسط والحروب الأهلية للدول البوليسية والتوتاليتارية والغير ديمقراطية في الدنيا ،والتي  للأسف مستمرون في نهجهم لحدِ يومِنا هذا ،ويعتبر الكورد أحد الأقوام المضطهدة والتي كانت ضحية هذا النوع من الدول التوتاليتارية والهوبزية ولم تتحرر لحد الآن.

الحرب كضرورة للدولة
 أما عن هيجل (1770-1831م) فيرى  في نظرياته السياسية و الفلسفية أن حلم السلام الذي حلم به الفلاسفة  والإصلاحيين السابقين له والمعاصرين له ماهو الإمجرد حلمِ غير واقعي .
يرى هيجل بأن الحروب موجودةُ في الواقع وإن كل شيءٍ واقعيِ هو معقولُ أيضاً ، وبنفس هذا المعنى يؤكد إن على الفيلسوف أن لايقفز على واقعه وأن لا يتبع الخيال ، لأن الحروب في أحدِ أوجُهِها جزءُ من الطبيعة البشرية وإحتياج من إحتياجات الدولة ، وفي وجهه الآخر دليلُ على إنهُ ليسَ هناكَ شيءُ في الواقع بإسم السلام الدائمي .
يتضح لنا من وجهة النظر الهيجلية هذه بأنه عند هذا الفيلسوف أيضاً تصطدم إرادة السلام بإرادَةٍ طبيعيةٍ ومفروضَةِ الا وهيَ إرادة الحرب والعنف .
إن هذه الحقيقة من وجهة نظرنا تؤكد في جزءٍ من تراث الفكر الفلسفي والديني في النظريات السياسية و الإجتماعية ولحد يومنا هذا يعمل لها البحوث والتنظيرات ،لأن العنف والحروب والإبادة الجماعية مستمرة بصورة ٍ فعليةِ في جميع أنحاء العالم وبأشكالٍ مختلِفة ، وتعتبر الأوضاع والملفات الغيرمعالجة بمثابةِ مشاريعٍ مشؤمَةٍ للعديد من الحروب الدموية الأخرى والتي من الممكن حدوثها عاجلاً أم آجلاً في أوقاتٍ وأماكِنَ مختَلِفَةِ على وجه هذه الكرة الأرضية.

ماركس والعنف والسلام
أحد الفلاسفة المشهورين  الآخرين والذي أثرت توقعاته ونظرياته بصورةِ واسعة على الفلسفة السياسية  والعديد من أنظمة الحكم والمئات من الأحزاب والحركات السياسية والأيديولوجية وحتى النظريات العلمية والأدبية وحتى الفن أيضاً في جميع أنحاء العالم ولازال تأثيرها باقياً على جزءٍ منها هو كارل ماركس (1818-1883م) وهو يرى أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في أي جزءِ من الأرض طالما كانت السلطة بيد النظام الرأسمالي، وأعتبر ماركس الفوارق الطبقية في المجتمع  وتحت ظل النظام الرأسمالي  بمثابة قنابل  مفجرة للإحتجاج والثورة  والعنف. ويعتبر ماركس الثورة والعنف ضروريان جداً  في فلسفته لتحقيق تغيير اجتماعي وتأريخي.
بمعنىً آخر ،ماركس نفسه يدعو الى استخدام العنف الثوري في إنهاء سيطرة النظام الرأسمالي الذي لايزال مهيمناً على مساحاتٍ واسِعَةِ من العالم ويعتقدُ بأنَ السلام الإجتماعي الذي يدعو اليه النظام البورجوازي سلام مزيف يخبأ الصراع الطبقي .
يؤكد ماركس على إن السلام والرفاهية والعدالة تتحقق عندما يزول المجتمع الطبقي وتنتهي الرأسمالية و يسود نظامُ شيوعي وإشتراكي .
وفي وجهة نظرنا واضحُ  إن الفلسفة السياسية لهذا الفيلسوف الألماني تجاه العنف والعنف الثوري وتجاه السلام والإستقرار يحمل في طياتهِ نداءً ودعماًللثورة والإنتفاضة والنضال المسلح من أجل أي جدلِ ولأي سببِ تأريخيِ مرتبطُ بظروف الإنسان والمجتمع والعالم ،ونعرف جميعاً بأنَ معتقدات هذا الفيلسوف الذي يعتبر عنواناً كبيراً للماركسية أستطاعت لوحدها أن تؤسس نظريةًأمَميةً خاصة ومهيمنة داخل المجتمع البشري ، بل أستطاعت أن تخلق في العديد من أجزاء العالم أنصاراً سياسيين متطرفين وراديكاليين وجربت نظرياتها ودعواتها، بل أصبحت هذه النظريات والدعوات منهجاً وميثاقَ عَمَلٍ وأساساً ايديولوجياً للعديد من الثورات السياسية والتي كانت من نتائجها حدوث العديد من الحروب  الكبيرة والحروب الأهلية وعدم الإستقرار من دون أن تخلق في العديد من هذه التجارب أيَةُ جَنَةٍ سياسيَةٍ ولا أن تشيد مجتمعاً سعيداً ولا أن تحقق سلاماً دائمياً للشعوب.

* ترجمة : نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستانى نوى
PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket