الحرب على إيران وإعادة توازن الإقليم..قراءة في التداعيات على العراق وكردستان

الآراء 10:05 AM - 2026-03-05
عباس عبدالرزاق PUKMEDIA

عباس عبدالرزاق

ايران

لم يكن التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حدثًا عابرًا في سياق التوترات المزمنة في الشرق الأوسط. فالضربة التي وُصفت بأنها “وقائية” أو “استباقية” أعادت إلى الواجهة سؤالًا أعمق من الحدث العسكري نفسه: هل نحن أمام إعادة تشكيل ميزان القوى في الإقليم، أم مجرد جولة جديدة في صراع طويل تحكمه قواعد ردع غير معلنة؟
التمييز هنا ضروري. فالمنطقة اعتادت على دورات تصعيد يعقبها احتواء. لكن ما يختلف هذه المرة هو حجم الرهان السياسي المرافق للعملية العسكرية، وتوقيتها، ودلالاتها المرتبطة بمستقبل النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة عربية.
بين منطق الردع ومنطق المنع
في أدبيات العلاقات الدولية، ثمة فارق بين الضربة الاستباقية التي تستهدف خطرًا وشيكًا، والضربة الوقائية التي تهدف إلى منع خصم من استكمال عناصر قوته. القراءة الأوسع تشير إلى أن ما جرى يدخل في الإطار الثاني: محاولة تعطيل مسار صعود، لا الرد على هجوم قائم. هذا لا يعني بالضرورة أن المواجهة مفتوحة على حرب شاملة. التجربة الإقليمية خلال العقدين الماضيين أظهرت أن الأطراف المعنية – رغم خطابها التصعيدي – تدرك كلفة الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة. ومن المرجح أن يبقى الصراع ضمن معادلة “الضربات المحسوبة”، ما لم تقع حسابات خاطئة تغير المسار.
إيران واستراتيجية الامتداد
منذ عام 2003،بنت إيران شبكة نفوذ إقليمي اعتمدت على أدوات متعددة: سياسية، عسكرية، واقتصادية. في العراق ولبنان وسوريا واليمن، تشكلت معادلة توازن غير تقليدية، قوامها فواعل محلية ترتبط بطهران بعلاقات متفاوتة العمق.  الضربة الأخيرة تختبر هذه المعادلة. فإضعاف المركز ينعكس حتمًا على الأطراف، لكن التجربة أثبتت أيضًا أن بنية النفوذ الإيرانية ليست هرمية بالكامل، بل شبكية وقابلة للتكيف. لذلك فإن الحديث عن “نهاية” الدور الإيراني يبدو متسرعًا، بقدر ما أن الحديث عن “تحصنه الكامل” لا يخلو من مبالغة. الأرجح أننا أمام مرحلة إعادة تموضع، تُقاس بنتائجها الميدانية والسياسية خلال الأشهر المقبلة.
العراق: معادلة التوازن الدقيق
في العراق، تتقاطع كل خيوط هذا التصعيد. العراق ليس مجرد جار لإيران، بل ساحة نفوذ متداخل، ومجال حيوي لمصالح متعارضة. وأي تغير في موقع إيران الإقليمي ستكون له انعكاسات مباشرة على بغداد. التحدي أمام الدولة العراقية يتمثل في الحفاظ على سياسة توازن دقيقة بين واشنطن وطهران، وهي معادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة. بغداد تدرك أن انزلاق أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة سيعيدها إلى دوامة عدم الاستقرار التي دفعت أثمانها سابقًا.
من هنا، تبدو الأولوية العراقية في هذه المرحلة هي تحييد الداخل قدر الإمكان، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومنع تحول الانقسام الإقليمي إلى انقسام داخلي.
كردستان: هامش الحركة وحدود المخاطرة
أما في إقليم كردستان، فإن المشهد أكثر حساسية. الإقليم يتمتع بعلاقات متينة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يرتبط اقتصاديًا وجغرافيًا بعمقه العراقي والإيراني.
أي تصعيد واسع قد يضع الإقليم أمام تحديات أمنية واقتصادية، لا سيما إذا تحولت بعض مناطقه إلى نقاط احتكاك غير مباشرة. وفي المقابل، فإن أي إعادة ترتيب إقليمي قد تفتح هوامش سياسية جديدة، إذا ما أُحسن استثمارها ضمن إطار وطني عراقي متماسك.
المعادلة الكردستانية، كما العراقية، تقوم على إدارة التوازن، لا الانخراط في المحاور.
هل يتغير النظام الإقليمي؟
السؤال الأوسع يتعلق بمستقبل النظام الإقليمي نفسه. هناك من يرى أن إضعاف إيران قد يمهد لشرق أوسط مختلف، أقل استقطابًا وأكثر خضوعًا لتفاهمات دولية. وهناك من يعتقد أن ما يجري لن يتجاوز إعادة ضبط موازين القوى ضمن النظام القائم، دون تغييره جذريًا.
التاريخ الحديث للمنطقة يرجّح السيناريو الثاني. فالقوى الكبرى تميل إلى إدارة الأزمات لا تفجيرها، وإلى تعديل التوازنات لا نسفها بالكامل. ومع ذلك، يبقى عامل المفاجأة حاضرًا في منطقة تتسم بهشاشة عالية.
ما جرى ليس مجرد ضربة عسكرية، بل محطة اختبار لقواعد الاشتباك التي سادت الإقليم خلال العقدين الماضيين. قدرة الأطراف على احتواء التصعيد ستحدد ما إذا كنا أمام تحول استراتيجي طويل الأمد، أم أمام جولة إضافية في صراع مديد.
بالنسبة إلى العراق وكردستان، الرهان لا ينبغي أن يكون على انتصار طرف إقليمي على آخر، بل على تعزيز منطق الدولة، وتحصين الداخل، وتوسيع هامش القرار الوطني. ففي  منطقة  تعاد  فيها  صياغة  التوازنات باستمرار  ،  تبقى  الدول  القادرة  على  إدارة  تنوعها الداخلي هي الأكثر قدرة على الصمود في وجه العواصف الخارجية
في المحصلة، ليست الحرب على إيران سؤالًا عسكريًا بحتًا، بل سؤال توازنات وحدود وأدوار. وما بين إعادة ضبط النفوذ أو إعادة رسم الخرائط، يبقى العراق – ومعه كردستان – أمام اختبار الدولة: إما ترسيخ موقعهما كمساحة استقرار قادرة على إدارة التوازنات، أو التحول مرة أخرى إلى ساحة تتقرر فيها مصائر الآخرين على أرضهما..

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket