جلولاء والمادة 140.. حين تتحول الدولة من حل النزاع إلى إدارته
الآراء 11:23 AM - 2026-02-24
PUKMEDIA
عباس عبدالرزاق
في العراق، لا توجد قرارات إدارية بريئة حين يتعلق الأمر بالمناطق المتنازع عليها. فكل خطوة، مهما بدت تقنية، تحمل في طياتها رسالة سياسية، وأحياناً إعادة رسم هادئة لموازين القوة. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة استحداث قضاء جلولاء إلا باعتباره حلقة جديدة في مسلسل طويل عنوانه العريض: إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
السلطة تقول إن القرار يستند إلى معايير تخطيطية وتنموية، وإن الهدف هو تحسين الخدمات وتطوير الإدارة المحلية. لكن هذه الرواية الرسمية تبدو، في أفضل الأحوال، نصف الحقيقة فقط. لأن النصف الآخر يتعلق بإعادة تشكيل النفوذ في منطقة تعد من أكثر مناطق العراق حساسية وتعقيداً، حيث تختلط الجغرافيا بالهوية، والسياسة بالتاريخ.
المادة 140: نص دستوري بلا إرادة
منذ سنوات طويلة، تعيش المادة 140 من الدستور العراقي حالة من التعليق السياسي المزمن. فهي موجودة على الورق، لكنها غائبة عن الواقع. لا تطبيع ولا إحصاء ولا استفتاء، بل إدارة يومية للأزمة عبر حلول جزئية وتفاهمات غير مكتوبة.
قرار استحداث جلولاء لا يخرق النص الدستوري فحسب، بل يؤكد حقيقة باتت واضحة: الدولة لم تعد تفكر في تنفيذ المادة، بل في تجاوزها عملياً عبر خلق وقائع إدارية جديدة يصعب التراجع عنها لاحقاً.
بمعنى آخر، نحن أمام انتقال صامت من منطق “الحل الدستوري” إلى منطق “فرض الأمر الواقع”.
جلولاء وخانقين:
صراع على النفوذ لاعلى الخدمات
حين يُعاد رسم الخريطة الإدارية في مناطق مثل جلولاء وخانقين، فإن الحديث عن الخدمات والتنمية يبدو أقرب إلى الغطاء السياسي منه إلى الدافع الحقيقي. فالنتيجة الفعلية لأي تغيير إداري هنا هي إعادة توزيع النفوذ السياسي والمالي والتمثيل المحلي. وهذا ما يفسر حجم الاعتراضات وسرعة التصعيد، لأن الجميع يدرك أن الأمر لا يتعلق بمبنى قائمقامية أو دائرة بلدية، بل بموازين قوة وهوية سياسية.
تقليص وزن خانقين الإداري لا يُقرأ محلياً كإجراء تنظيمي، بل كرسالة سياسية واضحة مفادها أن مركز الثقل يتغير، وأن الخريطة يمكن إعادة تشكيلها تدريجياً دون انتظار تسوية كبرى قد لا تأتي أبداً.
سياسة “الجمود المستقر”
الحقيقة التي يتجنب كثيرون قولها بصراحة هي أن الدولة العراقية اختارت، عن قصد أو اضطرار، نموذج “الجمود المستقر”. أي إبقاء الملفات الكبرى معلقة مع منع انفجارها، عبر إدارة دقيقة للتوازنات.
هذا النموذج نجح نسبياً في منع الصدامات الكبيرة، لكنه في المقابل رسّخ حالة من اللايقين الدائم، حيث لا يشعر أي طرف بأنه خسر، ولا يشعر أي طرف بأنه انتصر، لكن الجميع يدرك أن الحل النهائي مؤجل إلى أجل غير معلوم.
البعد الإقليمي: صمت ثقيل
لا يمكن تجاهل أن هذه المناطق تقع في قلب معادلة إقليمية حساسة، وأن استقرارها يمثل مصلحة مشتركة لقوى متعددة، حتى وإن اختلفت أهدافها. لذلك فإن أي تغيير فيها يتم غالباً تحت سقف غير معلن من التفاهمات التي تضمن عدم الانزلاق إلى صراع مفتوح. وهذا ما يجعل المشهد يبدو هادئاً ظاهرياً، لكنه في العمق مشحون بحسابات دقيقة تتجاوز الحدود المحلية.
هل نحن أمام نهاية المادة 140؟
الواقع يشير إلى أن المادة لم تعد مشروع حل بقدر ما أصبحت مرجعية سياسية رمزية. فكل خطوة إدارية جديدة، مثل استحداث الأقضية أو إعادة رسم الارتباطات، تقرب العراق أكثر من واقع جديد تُحسم فيه القضايا بالتراكم البطيء لا بالقرارات الكبرى.
بعبارة أكثر صراحة: المادة 140 لم تُلغَ دستورياً، لكنها تُلغى عملياً يوماً بعد آخر.
صناعة الواقع بدل انتظار التسوية
قرار جلولاء ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من مسار طويل تتبعه الدولة لتثبيت إدارة مركزية مرنة في المناطق المتنازع عليها دون الدخول في مواجهة سياسية شاملة.
قد ينجح هذا النهج في الحفاظ على الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يعمّق الشعور بأن الدولة تؤجل الحلول الكبرى وتستبدلها بإجراءات جزئية، ما يعني أن جذور المشكلة ستبقى قائمة حتى لو بدا السطح هادئاً.
وفي بلد مثل العراق، حيث التاريخ لا ينسى والهوية لا تُحسم بقرار إداري، يبقى السؤال مفتوحاً: هل إدارة النزاع قادرة على أن تكون بديلاً دائماً عن حله، أم أننا فقط نؤجل لحظة المواجهة مع واقع لم يُحسم بعد؟.
المزيد من الأخبار
-
خبير اقتصادي يؤكد عدم تاثر الرواتب بالاحداث التي تشهدها المنطقة
08:42 PM - 2026-03-03 -
وزارة المالية تعلن تحويل ايرادات شهر شباط الى الحكومة الاتحادية
08:37 PM - 2026-03-03 -
وزير العدل يوجه باتخاذ إجراءات أمنية مشددة في السجون
03:15 PM - 2026-03-03 -
الأنواء الجوية: أمطار متوسطة الشدة وانخفاض في درجات الحرارة
11:16 AM - 2026-03-03
شاهد المزيد
کوردستان 07:20 PM - 2026-03-03 المكتب السياسي: الاولوية عند الاتحاد الوطني حماية المواطنين وسيادة العراق
التوترات الأمنية توقف انتاج وتصدير النفط من كوردستان العراق وجنوبه
04:55 PM - 2026-03-03
إلغاء أكثر من 11 ألف رحلة جوية منذ بدء التوترات في المنطقة
02:46 PM - 2026-03-03
العالم بين زئير الأسد والغضب الملحمي والوعد الصادق
01:19 PM - 2026-03-03
الرئيس بافل جلال طالباني: الاستاذ حميد مجيد موسى كان مدافعاً عن حقوق شعب كوردستان
10:07 AM - 2026-03-03
الأكثر قراءة
-
السوداني يوجه وزارة الداخلية بإجراء تحقيق عاجل في اغتيال الناشطة ينار محمد
العراق 09:15 PM - 2026-03-02 -
التوترات الأمنية توقف انتاج وتصدير النفط من كوردستان العراق وجنوبه
العراق 04:55 PM - 2026-03-03 -
ايقاف عمل البعثات الدبلوماسية الامريكية في السعودية والكويت
العالم 10:14 AM - 2026-03-03 -
اسعار النفط تواصل الارتفاع
إقتصاد 09:13 AM - 2026-03-03 -
إجتماع أمني مهم: تأكيد على وحدة القيادة ومنع المظاهر المسلحة
العراق 12:00 AM - 2026-03-03 -
العالم بين زئير الأسد والغضب الملحمي والوعد الصادق
العراق 01:19 PM - 2026-03-03 -
الرئيس بافل جلال طالباني: الاستاذ حميد مجيد موسى كان مدافعاً عن حقوق شعب كوردستان
العراق 10:07 AM - 2026-03-03 -
إلغاء أكثر من 11 ألف رحلة جوية منذ بدء التوترات في المنطقة
العالم 02:46 PM - 2026-03-03







تطبيق

