بين الشهيدة دنيز چيا ونساء الفتوحات..حين تُدان الشجاعة وتُقدَّس المطبخ

الآراء 08:04 PM - 2026-01-15
فرست عبدالرحمن مصطفى PUKMEDIA

فرست عبدالرحمن مصطفى

سوريا

"نحارب حتى آخر نفس… ولا شيء أقدس من كرامة شعبنا".
لم تكن هذه كلمات عابرة قالتها "دنيز چيا" قبل استشهادها بل كانت خلاصة وعيٍ حادّ في لحظةٍ يعرف فيها الإنسان أن الموت صار خياراً أقلّ قسوة من الذل. كانت تعرف كما عرفت غيرها من النساء اللواتي سبقنها إلى ساحات النار أن الوقوع في يد قتلة الإنسانية ليس هزيمة عسكرية بل كسرٌ للمعنى نفسه. وحين اختارت نهايتها لم تكن تهرب من الحياة بل كانت تحرسها للآخرين.
لكن ما إن سقط جسدها شهيداً حتى رماه جلاوزة الجولاني من فوق سطح العمارة كأنهم أرادوا أن يضيفوا إلى القتل إهانة وإلى الجريمة رسالة "هذا مصير من يرفع رأسه". غير أن الرسالة انقلبت عليهم، إذ هزّ فعلهم ضمير كل كوردي يحلم بالكرامة وأعاد طرح السؤال المؤلم "متى صار الدفاع عن الوجود خزيا؟ ومتى صارت الطاعة العمياء فضيلة؟".
الأكثر مرارة ليس فعل القتلة فهؤلاء واضحون في عدائهم بل أولئك الذين وصفوا ما قامت به دنيز بالعار، لا لأنها قتلت أو قُتلت بل لأنها امرأة. لأن مكانها في نظرهم كان يجب أن يُختصر بين جلاية الصحون وغسالة الملابس لا في موقع القرار ولا في خط النار. أرادوا لها أن ترفع رؤوسهم بصمتها لا ببطولتها، وأن تُنجب أبناءً للذبح لا أن تكون سورا اخيراً يحميهم.
وهنا تبرز السخرية الفاضحة للتاريخ.
ألم تشارك نساء المؤمنين في معارك الإسلام الأولى؟
ألم يقاتلن بالسيوف والرماح حين اقتضت الضرورة؟
ألم يفخر النبي ﷺ بنسيبة بنت كعب وهي تذود عنه في أُحد وبصفية بنت عبد المطلب وهي تقتل من تجرأ على حصن النساء وبالرميصاء بنت ملحان وخولة بنت الأزور وأم حكيم بنت الحارث المخزومية وأسماء بنت يزيد الأنصارية؟
أكانت تلك النساء "بنات مطبخ" أم شريكات في صناعة المعنى والكرامة؟
لم يكن الجسد الأنثوي يومها عورة في ساحة القتال بل كان روحا واعية تعرف لماذا تقف وأين تموت. ولم يكن الشرف محصورا في الانسحاب بل في تحمّل المسؤولية حين يتراجع الرجال أو تختلط الصفوف.
فلماذا إذن كل هذه الحملات الاستفزازية اليوم؟
لماذا يُستدعى الدين ليُجلد به ضمير امرأة قاومت لا ليُدان به من ذبح ومثّل بالجثث؟
ولماذا يُختزل الإسلام مرة أخرى في قراءة ذكورية ضيقة تُقدّس الخضوع وتخاف من امرأة حرّة أكثر مما تخاف من قاتل؟
الجواب ليس دينياً بقدر ما هو سياسي.
إنه خطاب يُراد به إرضاء السلطان وتلميع صورة الجلاد، وتقديم فروض الولاء لأنقرة أكثر مما هو دفاع عن "الأخلاق". وهو خطاب يعرف أصحابه أن التاريخ لا يُكتب فقط بالبندقية بل أيضًا بالسردية فيحاولون تشويه الشهداء قبل أن تتحول قصصهم إلى وعي جمعي.
لكن التاريخ كما علمنا لا يرحم.
وسيأتي يوم يكتب فيه المؤرخون المسلمون قبل المستشرقين أن نساءً وقفن في زمن الانحطاط حيث تراجع الرجال وأن من سمّوهن عارا كانوا هم العار الحقيقي على الضمير والإنسانية.
دنيز چيا لم تكن استثناءً بل امتداداً لسلسلة طويلة من النساء اللواتي فهمن أن الكرامة لا جنس لها وأن الدفاع عن الحياة قد يمر أحياناً عبر الموت.
أما أولئك الذين لم يروا فيها سوى "امرأة خرجت عن دورها" فمشكلتهم ليست معها بل مع تاريخ كامل يفضح خوفهم كلما نهضت امرأة وقررت أن لا تنحني.

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket