من الهيمنة العسكرية إلى الهيمنة على سلاسل الطاقة

الآراء 08:41 PM - 2026-03-18
عباس عبدالرزاق

عباس عبدالرزاق

بعد نهاية الحرب الباردة، حافظت الولايات المتحدة على موقعها كالقوة البحرية الأولى في العالم، ما منحها قدرة شبه مطلقة على حماية – أو تهديد – الممرات البحرية الحيوية. ومع توسع العولمة خلال العقود الثلاثة الماضية، أصبحت هذه الممرات الشرايين الحقيقية للاقتصاد العالمي.
لكن صعود الصين الاقتصادي السريع أعاد رسم هذه المعادلة. فالصين التي تحولت إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم أصبحت في الوقت ذاته أكبر مستورد للطاقة. ومعظم هذه الطاقة يأتي من الشرق الأوسط ويمر عبر مضيق هرمز قبل أن يواصل طريقه عبر المحيط الهندي نحو آسيا.
بهذا المعنى، أصبح المضيق نقطة حساسة في أمن الطاقة الصيني. وأي اضطراب فيه قد يتحول إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد الصيني.


معضلة أمن الطاقة الصينية


يعرف الاستراتيجيون في بكين هذه المشكلة جيداً، وغالباً ما يصفونها بما يسمى “معضلة الممرات البحرية”، أي الاعتماد الكبير على طرق بحرية يمكن أن تتعرض للضغط أو التهديد في أوقات الأزمات.
فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على النفط القادم من الخليج، ومعظم هذا النفط يمر عبر مضيق هرمز ثم يتجه شرقاً نحو آسيا. وهذه الحقيقة تجعل الاقتصاد الصيني معرضاً لتقلبات جيوسياسية تقع على بعد آلاف الكيلومترات من حدوده.
ولهذا السبب تسعى بكين منذ سنوات إلى تقليل اعتمادها على هذه الممرات عبر مشاريع بنية تحتية ضخمة، أبرزها مبادرة مبادرة الحزام والطريق، التي تهدف إلى إنشاء شبكات نقل برية وبحرية بديلة تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
كما استثمرت الصين بكثافة في خطوط الأنابيب العابرة لآسيا الوسطى وفي مشاريع الطاقة في روسيا وآسيا الوسطى، في محاولة لتقليل اعتمادها على الطرق البحرية.


الاستراتيجية الأمريكية: السيطرة على الممرات


في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن أحد أهم عناصر قوتها العالمية يكمن في السيطرة على البحار والممرات الاستراتيجية. فمن خلال انتشارها البحري الواسع، تستطيع واشنطن التأثير على تدفق التجارة العالمية والطاقة.
ومن هنا يصبح مضيق هرمز جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بإدارة التوازن مع الصين. فحتى دون إغلاق المضيق بشكل كامل، يكفي أن يبقى تحت مستوى معين من التوتر الجيوسياسي لكي تتحول الإمدادات النفطية إلى عامل ضغط على الاقتصادات المعتمدة عليه.
وفي هذا السياق، يمكن فهم بعض التوترات الإقليمية ليس فقط كصراعات محلية، بل كجزء من إعادة تشكيل جغرافيا الطاقة في العالم.


الخليج في قلب المنافسة العالمية


بالنسبة لدول الخليج، فإن هذا التنافس يضع المنطقة في موقع حساس بين القوتين الكبريين. فهذه الدول لا تزال المورد الرئيسي للطاقة لكثير من الاقتصادات الآسيوية، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات أمنية واقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة.


هذه المعادلة تخلق توازناً دقيقاً:
فمن جهة، تعتمد الصين بشكل متزايد على نفط الخليج لتغذية اقتصادها الصناعي، ومن جهة أخرى تبقى الولايات المتحدة اللاعب الأمني الأكثر تأثيراً في الممرات البحرية التي تمر عبرها هذه الطاقة.


وهكذا يصبح الخليج – ومضيق هرمز تحديداً – نقطة التقاء بين الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية.


عالم جديد للطاقة


في نهاية المطاف، يكشف التوتر حول مضيق هرمز عن تحول أعمق في النظام الدولي. فالعالم يدخل مرحلة جديدة تتزايد فيها أهمية أمن الإمدادات وسلاسل التوريد.


ولم تعد الطاقة مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت جزءاً من أدوات النفوذ في العلاقات الدولية. فالدول التي تتحكم في الممرات البحرية أو في طرق الطاقة تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.


ولهذا السبب قد يبقى مضيق هرمز في العقود المقبلة واحداً من أكثر النقاط حساسية في الجغرافيا السياسية، ليس فقط بسبب النفط الذي يمر عبره، بل لأنه يمثل تقاطعاً بين طموحات القوى الكبرى في عالم يتشكل من جديد.


الجغرافيا التي لا يمكن تجاهلها


قد تبدو التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي وكأنها تعيد تشكيل العالم بعيداً عن الجغرافيا، لكن مضيق هرمز يذكّرنا بأن المكان لا يزال يصنع السياسة.


ففي عالم يعتمد على الطاقة المتدفقة عبر البحار، يمكن لشريط مائي ضيق أن يتحول إلى محور صراع بين القوى الكبرى، وأن يحدد إلى حد بعيد ملامح التوازن الدولي في القرن الحادي والعشرين.

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket