حين تصمت الحروب، يتكلم التاريخ

الآراء 09:28 PM - 2026-03-08
عماد أحمد

عماد أحمد

يقال إنّ التاريخ هو معلّم الشعوب، غير أنّ هذا المعلّم كثيرًا ما يعلّمنا دروسه بطريقة قاسية ومريرة، فعندما نقرأ صفحات تاريخ البشرية نكاد لا نجد عصرًا خلا من نيران الحروب؛ وكأنّ كتاب التاريخ لم يُكتب بالحبر بقدر ما كُتب بالدم، ففي كل مرة تندلع فيها حرب، يملأ صوت السلاح وأخبار الانتصارات كل مكان، ويظنّ بعض الأطراف بأنّ القوة قادرة على حلّ كل مشكلة، لكن عندما تخمد نيران الحرب ويصمت دويّ المدافع والرصاص، غالبًا ما لا يبقى سوى غبار الخراب، وحزن القلوب، والذكريات،قد تُعادُ بناء المدن من جديد، لكن جراح النفوس الإنسانية كثيرًا ما تبقى سنوات طويلة دون أن تندمل.
وإذا قرأ الإنسان صفحات التاريخ بهدوء، فسيجد أنّ معظم الحروب التي عُدّت في زمانها انتصارات، لم تُذكر بعد مرور الزمن إلا بوصفها كوارث إنسانية، فـ«انتصارات» الحروب غالبًا ما تكون كالأشباح أو الظلال؛ تتغيّر بتغيّر الشمس.
• حلفاء اليوم يمكن أن يصبحوا أعداء الغد
 فما يبدو قويًا اليوم قد يصبح غدًا مجرد ذكرى بعيدة، ولهذا عبّر حكماء الشعوب عن هذه الحقيقة في حكمة بسيطة(: إن النار لا تُطفأ بالنار، والعنف غالبًا ما يولّد عنفًا أكبر.)
وفي عالم السياسة والعلاقات الدولية تتجلى الحقيقة نفسها؛ فقد أظهر التاريخ أنّه لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات أبدية، فالذين يبدون اليوم متباعدين قد يصبحون حلفاء في المستقبل، ومن هم حلفاء اليوم قد يتحولون يومًا ما إلى خصوم،لذلك فإنّ السياسة الحكيمة هي التي لا تَبنى  قراراتها على العواطف والانفعالات، بل على العقل والفهم العميق للواقع.
أما الشرق الأوسط فهو منطقة تشكّل تاريخها الحديث إلى حدٍ كبير على أساس الحروب، والاتفاقات السرية، وتوازنات القوى العالمية، ففي مطلع القرن العشرين، عندما رُسمت الخريطة السياسية للمنطقة، وجد كثير من الشعوب أنفسهم خارج دائرة القرار، وكانت تلك القرارات أساس الحدود التي ما زالت تؤثر في حياة شعوب المنطقة حتى اليوم.
• لها تأثير مباشر
وفي خضمّ هذه التحولات ظلّت كوردستان دائمًا في موقع جيو-سياسي حساس،وهذا الموقع يحمل في آنٍ واحد فرصة وعبئًاً ثقيلاً؛ فهو فرصة لأن كوردستان تقع في منطقة استراتيجية مهمة، وهو عبء لأن كل صراع إقليمي يترك أثرًا مباشرًا عليها، ولهذا وجد الكورد  أنفسهم غالباً داخل حروب لم يكن لهم دور في إشعالها، ولا القدرة الكاملة على توجيه مسارها، ومع ذلك دفعوا أثمانًا باهظة لها.
ومع ذلك فقد أظهرت التجربة التاريخية للكورد أنّ أكبَرَ قوة لحماية الشعوب لا تكمن في السلاح وحده، بل في الحكمة والمسؤولية السياسية، ولهذا حاول الموقف الكوردي، ولا سيما في إقليم كوردستان، في كثير من الصراعات الإقليمية، الحفاظ على الاستقرار وتجنّب الانجرار إلى أتون الصراعات التي لا تجلب في النهاية سوى الخراب .
• الكورد يعرفون قيمة السلام 
إن موقف  الكورد تجاه الحروب  والذي  تحدثنا عنه سابقاً  يعكس حقيقة أن شعبًا جرّب مرارة الحروب يدرك قيمة السلام أكثر من غيره،وكثيرًا ما يعبّر الفن والأدب عن حقيقة الحرب بعمق أكبر،فعندما قُصفت مدينة (غيرنيكا )خلال الحرب الأهلية الإسبانية، رسم الفنان العالمي (بابلو بيكاسو) لوحته الشهيرة (غيرنيكا)، في تلك اللوحة لا يظهر أي انتصار؛ بل صرخات وخوف وآلام إنسانية،وقد أصبحت هذه اللوحة واحدة من أعظم الرموز العالمية المناهضة للحرب، لأن الفن يمتلك القدرة على إظهار الحقيقة بطريقة يرتفع فيها صوت الإنسانية.
ولا شك أنّ القضية الكوردية ليست مسألة جديدة نشأت نتيجة أحداث اليوم؛ فهي في جوهرها قضية حقوق وهوية، والقضايا التي تقوم على أساس الحقوق لا يمكن القضاء عليها بالقوة، لأن الزمن قد يغير أشكال المشكلات، لكنه لا يغير جوهرها.
وفي الختام، يظلّ التاريخ كمعلم صامت يكرّر درسًا واحدًا،الحرب صاخبة الصوت لكنها قصيرة العمر،وما يبقى في النهاية ليس نيران الحروب ولا قوة السلاح، بل العقل والعدالة والاعتراف بالحقوق،وعندما يمتلئ العالم بالحروب، ينبغي أن يرتفع صوت العقل أكثر من أي وقت مضى، لأن العقل وحده القادر على إيجاد الطريق الذي ينقذ الإنسانية من الخراب ويحفظ الحقوق على حقيقتها.

ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket