قراءة استراتيجية في ضوء لقاء بافل طالباني وتوم باراك

الآراء 01:26 PM - 2026-02-26
عباس عبدالرزاق

عباس عبدالرزاق

إذا نظرنا إلى اللقاءات التي تمت خلف الكواليس بين المبعوث الأمريكي توم باراك وبافل الطالباني في السليمانية (ده باشان)، يمكن استنتاج عدة محاور دقيقة تعمل الولايات المتحدة على معالجتها، حتى لو لم تُعلن بشكل رسمي
تعيش السياسة الكردية اليوم مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث، تتقاطع فيها الاعتبارات الواقعية الدولية والإقليمية مع فلسفة البقاء السياسي الداخلي. فبعد عقود من التجارب المضطربة، شهدت السنوات الأخيرة تغيّرًا في أسلوب التعاطي الكردي مع التحديات الداخلية والخارجية، بما يعكس نضوجًا سياسيًا لا يقتصر على الحسابات العسكرية أو الاقتصادية، بل يشمل وعيًا فلسفيًا لطبيعة الدولة، السلطة، والوجود في سياق متعدد الحدود.
أولاً: السياق التاريخي والروابط العابرة للحدود
منذ ما قبل عام 2014، كان التناغم بين القوى الكردية في سوريا، العراق، تركيا، وإيران قائمًا ضمن خطوط غير رسمية من التفاوض والاتفاقات الجزئية. لعبت كردستان العراق، وعلى رأسها مسعود بارزاني، دور الراعي للمفاوضات بين حزب العمال الكردستاني وتركيا، كما شهدت السليمانية وقنديل تدخلات محدودة لتنسيق العمل المشترك بين الفصائل الكردية السورية.
لكن الأحداث اللاحقة، بدءًا من حرب الخنادق في تركيا (2015–2016) واستفتاء كردستان العراق 2017، أظهرت أن الوحدة الكردية ليست مسألة طبيعية أو مفروضة، بل تحتاج إلى إدارة دقيقة لضمان الاستمرار والبقاء. فالانكسارات المتتالية كشفت عن هشاشة البنية السياسية الكردية أمام الضغوط الدولية والإقليمية.
ثانياً: الدعم الغربي والتحولات الواقعية
في العقد الأخير، ظهر أن القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، لم تعد تقتصر على دور المراقب، بل أصبحت فاعلة في ترتيب البيت الكردي الكبير. زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك إلى السليمانية بحضور قادة قسد ليست مجرد حدث دبلوماسي، بل مؤشر على محاولة إنشاء منصة كردية موحدة تحت رعاية دولية، لتنسيق السياسات بين سوريا، العراق، وإيران.
هذا الدعم الغربي يشير إلى إدراك فلسفي – استراتيجي: أي كيان كردي مستقل أو منقسم قد يتحول إلى عامل اضطراب إقليمي، لذا تركز الرعاية الدولية على الاستقرار السياسي، التنسيق، وإدارة النفوذ بدلًا من تحقيق أهداف قومية توسعية.
ثالثاً: فلسفة السياسة الكردية: البقاء قبل التوسع
الفلسفة السياسية وراء التحركات الحالية تُظهر وعيًا بالواقع الجغرافي والسياسي. لم يعد الحديث عن “إعادة رسم الخرائط” أو “توسع الكرد عبر مناطق الرقة ودير الزور”، بل عن تثبيت السيطرة في مناطق الوجود الكردي الفعلي وإيجاد منصة للتفاوض على الاعتراف السياسي الداخلي والخارجي.
في هذا السياق، يشير التحالف الأخير للأحزاب الكردية الخمسة في إيران، برغم اختلاف الإيديولوجيات (قومي، ماركسي، إسلامي، شيوعي)، إلى وعي فلسفي جماعي يضع البقاء السياسي كوحدة أساسية قبل أي نزعة توسعية. الوحدة هنا ليست مجرد غاية سياسية، بل تطبيق عملي لفلسفة الحكم الواقعي في ظل التحديات الإقليمية والدولية.
رابعاً: التحليل الاستراتيجي للعلاقات المتشابكة
من منظور استراتيجي، يمكن النظر إلى الوضع الكردي الحالي على ثلاثة مستويات مترابطة:
1.  المستوى الدولي: دعم أمريكي وغربي لتنسيق البيت الكردي الكبير، وضبط أي انزلاق نحو مغامرات غير محسوبة.
2.  المستوى الإقليمي: التغيرات المرتقبة في إيران، تحولات السلطة في العراق، وتوازن القوة مع تركيا، والتي تشكل جميعها عوامل ضغط تستدعي تحالفًا كرديًا داخليًا موحدًا.
3.  المستوى المحلي: الواقع على الأرض في شمال سوريا وإقليم كردستان العراق، حيث تتطلب الإدارة الحذرة للموارد والنفوذ المحلي توازنًا بين القوة والتفاوض السياسي لضمان بقاء الأكراد ضمن حدود الدولة الواقعية.
خامساً: فلسفة البقاء والوعي السياسي
يمكن القول إن السياسة الكردية اليوم هي تجسيد لمفهوم فلسفي واقعي: “البقاء أولاً، والتوسع وفقًا للظرف الدولي والإقليمي ثانيًا”.
في هذه المرحلة، لا تُقاس القوة الكردية بالسيطرة العسكرية أو العدد، بل بمدى قدرة القوى الكردية على تنسيق نفسها داخليًا، التعامل مع القوى الداعمة دوليًا، وإدارة تضارب المصالح الإقليمية.
من هذا المنظور، تصبح السليمانية، أربيل، وقنديل ليست مجرد مناطق جغرافية، بل مراكز فلسفية واستراتيجية لمفهوم الحكم الواقعي والسياسة البقاءية، حيث يختبر الأكراد قدرتهم على تحويل التنوع الإيديولوجي والانقسامات التاريخية إلى قوة موحدة تواجه التحديات الجديدة.
الخاتمة
ما يدور خلف الكواليس ليس مجرد “تحايا رسمية” بل تخطيط استراتيجي عميق يهدف إلى:
1.  توحيد القوى الكردية تحت مظلة أمريكية غربية.
2.  ضبط العلاقة مع دمشق والأطراف الإقليمية.
3.  ضمان البقاء السياسي للكرد ضمن حدود واقعية.
4.  إعداد الأرض لإعلان مواقف مشتركة أو خطوات عملية لاحقة.
ببساطة، السليمانية تحولت إلى منصة تفاوض سياسية عابرة للحدود الكردية، والولايات المتحدة تحاول أن تتحكم في نتائج هذا التنسيق قبل أن تتحرك الأطراف الإقليمية بشكل مستقل
في النهاية، ما نشهده اليوم ليس مجرد إعادة ترتيب سياسي، بل مرحلة فلسفية – سياسية من النضوج الكردي. الوحدة ليست حلمًا رومانسياً، بل ضرورة بقاء، والتنسيق الدولي ليس مجرد مصالح خارجية، بل عنصر من عناصر الاستراتيجية الواقعية التي تدرك القوى الكردية أن البقاء ضمن حدود واقعية، والسيطرة على النفوذ المحلي، هو الطريق الأقصر للحفاظ على الكيان الكردي وتعزيز دوره في المنطقة.

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket