الهوية الوطنية بين الشعب والحزب
الآراء 11:33 AM - 2026-02-11
في الحياة السياسية في كوردستان، قلّما تخلو عبارة من كلمات مثل: «الشعب الكوردي»، «إرادة كوردستان»، «الممثل الشرعي»، «القوى الوطنية»، أو «المشروع القومي». كل جهة تقريبًا تتحدث باسم الكورد، وكل حزب يقدّم نفسه بوصفه صوت كوردستان، حتى بات من الصعب على المواطن العادي — فضلًا عن المراقب الخارجي — أن يميّز: من يمثل من فعلًا؟
هذا التضخم في لغة التمثيل لم يعد مجرد أسلوب بلاغي. لقد تحول إلى ظاهرة سياسية مربكة تُضعف المعنى الحقيقي للهوية الجامعة. فحين يدّعي الجميع تمثيل الشعب، يفقد التمثيل قيمته. وحين تتحول الكوردية إلى شعار تنظيمي، تفقد وظيفتها كإطار يجمع الجميع.
من هنا يبرز السؤال الضروري: هل يملك أي حزب أو تنظيم حق تمثيل الكورد أو كوردستان تمثيلًا مطلقًا؟
الهوية أقدم من الأحزاب
قبل البحث في مسألة التمثيل، من الضروري العودة إلى نقطة البداية: الهوية الكوردية لم تتشکل من خلال الأحزاب، ولا عبر البيانات السياسية أو البرامج التنظيمية. لقد تبلورت هذه الهوية تاريخيًا عبر اللغة والثقافة والذاكرة الجمعية وأنماط الحياة اليومية؛ في المدن والأسواق، في الشعر والتعليم الديني، وفي شبكات العلاقات الاجتماعية التي سبقت ظهور التنظيمات الحديثة بوقت طويل. أي أن المجتمع كان موجودًا قبل السياسة، والهوية سبقت الحزب.
ومن هنا ينبغي التمييز بين مستويين مختلفين: الشعب ككيان تاريخي مستمر يتجاوز الأجيال والقيادات، والحزب كإطار سياسي مؤقت ينشأ لمرحلة محددة ويخضع بطبيعته للتغير والانقسام وربما الزوال. الأول هوية جامعة، والثاني أداة تنظيمية. وحين يختلط الاثنان تنقلب الأدوار، فتتحول الأداة إلى بديل عن الأصل، ويُختصر المجتمع داخل تنظيم. أن وظيفة الحزب ليست احتكار اسم الشعب أو الادعاء بتمثيله المطلق، بل خدمته ضمن حدود تفويض محدد؛ فالأحزاب تأتي وتذهب، أما المجتمع فيبقى، ولهذا يجب أن تظل الهوية الجامعة أوسع من أي إطار سياسي وأكبر من أي تنظيم.
من الخدمة إلى الاحتكار
نشأت الأحزاب السياسية في الأساس لتنظيم المطالب العامة وخدمة المجتمع. فهي أدوات للعمل العام، لا بدائل عن المجتمع نفسه. غير أن التجربة الكوردية — كما في كثير من المجتمعات الناشئة سياسيًا — شهدت انزلاقًا تدريجيًا من «العمل باسم المجتمع» إلى «ادعاء امتلاك اسمه»، بحيث لم يعد الحزب ممثلًا جزئيًا للمجتمع، بل متحدثًا باسمه كله.
ويكفي تأمل أسماء الأحزاب الكوردية في العراق وسوريا وإيران لملاحظة هذه الظاهرة. فتكاد معظم التنظيمات تستخدم صفات شمولية مثل «الديمقراطي»، «الوطني»، «الإسلامي»، أو «الكوردستاني». غير أن تحويل هذه الكلمات إلى علامات حزبية يفرغها تدريجيًا من معناها العام، ويوحي — ولو ضمنيًا — بأن من هو خارج التنظيم أقل ديمقراطية أو أقل وطنية أو أقل كوردستانية او اقل اسلامية. وهنا تتحول اللغة من أداة توحيد إلى أداة احتكار، وتتحول الهوية الجامعة من فضاء مشترك إلى إطار حزبي ضيق. هذه الأوصاف، في الأصل، مفاهيم عامة تخص المجتمع كله، لكنها تتحول في الممارسة إلى علامات تنظيمية توحي باحتكار قيم يفترض أن تكون مشتركة بين جميع المواطنين.
المشكلة لا تتوقف عند الأسماء. بل تظهر في الخطاب اليومي أيضًا. نسمع عبارات مثل: «نحن نمثل إرادة الشعب»، «نحن المدافعون الحقيقيون عن كوردستان»، «هذا هو الموقف الكوردي»، و"نحن الکورد". وكأن المجتمع كتلة واحدة صامتة، تنتظر من يتحدث باسمها. لكن الواقع مختلف تمامًا. المجتمع متنوع: سياسيًا وفكريًا واجتماعيًا. وما يُقدَّم بوصفه «صوت الشعب» ليس في كثير من الأحيان إلا صوت تنظيم بعينه. حين يحدث هذا الخلط، تتحول الخلافات السياسية الطبيعية إلى صراعات هوية. فالاختلاف مع حزب ما يُفسَّر أحيانًا وكأنه اختلاف مع «الكورد» أنفسهم. وهنا تكمن الخطورة.
الأثر العملي لهذا الالتباس
قد يبدو النقاش حول مفاهيم «الهوية» و«التمثيل» مسألة لغوية أو نظرية، لكنه في الواقع ينعكس مباشرة على الحياة السياسية والاجتماعية. فعندما تتعدد الجهات التي تتحدث باسم «الممثل الشرعي الوحيد»، يتشتت الصوت الكوردي خارجيًا، ويفقد العالم القدرة على تمييز من يملك التفويض الحقيقي للتفاوض أو القرار. وفي الداخل، تتآكل ثقة المواطن بالمؤسسات، إذ يسمع الجميع يتحدث باسمه من دون أن يشعر أن أحدًا يستشيره أو يمثله فعليًا. ومع الوقت، لا تعود الخلافات صراعات بين برامج وسياسات، بل تتحول إلى تنازع على احتكار الهوية نفسها، فتغدو الهوية الكوردية — التي يفترض أن تكون مصدر وحدة وقوة — عبئًا إضافيًا يفاقم الانقسام بدل أن يخففه.
منطق الدولة الحديثة وحدود التمثيل
في المقابل، يقوم منطق الدولة الحديثة على فهم أكثر تواضعًا ودقة للتمثيل السياسي. فالتمثيل ليس مطلقًا ولا دائمًا، بل نسبي ومحدد بزمن ومشروط بتفويض واضح: النائب يمثل دائرته، والحكومة تمثل من منحها الثقة، والنقابة تمثل أعضاءها فقط. ولا توجد جهة يمكنها الادعاء بتمثيل شعب كامل بكل تنوعاته واختلافاته. من هذا المنطلق، فإن الحديث عن «ممثل وحيد للكورد» يتناقض مع أبسط قواعد السياسة المعاصرة؛ فهو خطاب تعبوي أكثر منه توصيفًا واقعيًا. فالشعوب لا تُختزل في تنظيم، ولا تُختصر في قيادة، بل تُدار عبر تعددية مؤسساتية تعكس تنوعها الطبيعي.
نحو فهم أكثر نضجًا للتمثيل
المطلوب اليوم ليس إلغاء الأحزاب أو التقليل من دورها، فالأحزاب جزء طبيعي من أي حياة سياسية صحية، بل إعادة وضع الحدود الواضحة بينها وبين المجتمع. يمكن لأي جهة أن تمثل الناس، لكن بقدر التفويض الذي تمنحه لهم، ويمكن لأي حزب أن يخدم كوردستان، لكن من دون أن يدّعي امتلاكها أو احتكار اسمها. ما تحتاجه كوردستان في هذه المرحلة هو بناء مؤسسات مدنية عابرة للولاءات التنظيمية، وترسيخ ثقافة سياسية تفصل بين «الخدمة» و«الاحتكار»، واعتماد خطاب أكثر تواضعًا في ادعاءات التمثيل، إلى جانب قبول حقيقي بالتعددية داخل المجتمع الكوردي. فالهوية الوطنية يجب أن تبقى سقفًا مشتركًا فوق الجميع، إطارًا جامعًا لا ساحة تنافس حزبي.
ولعل الواقع الاجتماعي نفسه يقدّم البرهان الأوضح على أن الشعب أكبر من أي تنظيم. فعندما تعرّض كورد سوريا في الاونة الأخيرة لأزمات قاسية، خرجت في مدن إقليم كوردستان موجات تضامن واسعة وعفوية، رفع فيها المواطنون شعارات جامعة مثل «نحن كورد» و«نحن شعب واحد» من دون أعلام حزبية أو صور قيادات سياسية؛ كانت الهوية وحدها هي الحاضرة. وامتد هذا التضامن إلى حملات إغاثة وجمع تبرعات وإرسال مساعدات للمدن الكوردية المحاصرة أو المهجّرة. في تلك اللحظات تكلّم المجتمع بصوته المباشر، متجاوزًا الاصطفافات التنظيمية، ومؤكدًا حقيقة بسيطة لكنها عميقة: حين يتحرك الناس بدافع الانتماء المشترك، تكون الهوية أصدق من أي شعار حزبي، ويظهر بوضوح أن الشعب أوسع من الأحزاب، وأن كوردستان أكبر من أن تختزل في أي تنظيم.
في نهاية المطاف، الكوردية ليست لقبًا سياسيًا، ولا شهادة شرعية، ولا شعارًا انتخابيًا. إنها انتماء ثقافي وأخلاقي لمجتمع كامل. ومن يخدم الناس بصدق يمثلهم بقدر ما يخدمهم، لا بقدر ما يرفع من شعارات باسمهم. كوردستان لا تحتاج مزيدًا من المتحدثين باسمها، بل تحتاج مزيدًا من العاملين لأجلها. فالهوية بيتٌ للجميع، لا لافتة يضعها أحد على بابه.
المزيد من الأخبار
-
بيكرد طالباني: منع الاستيراد في مواسم الانتاج يدعم الأمن الغذائي والقطاع الزراعي
04:25 PM - 2026-02-12 -
مفوضية الانتخابات تستمر بصرف مكافآت موظفي الاقتراع
11:51 AM - 2026-02-12 -
الجمارك تعلن استجابة اقليم كوردستان لتوحيد التعرفة مع المنافذ الاتحادية
10:26 AM - 2026-02-12 -
طقس العراق.. أمطار رعدية وغبار خلال اليومين المقبلين
10:15 AM - 2026-02-12
الأكثر قراءة
-
كاروان كزنيي: اجتماع السيدين مسعود بارزاني وبافل طالباني كان ايجابيا
کوردستان 09:54 PM - 2026-02-11 -
مجلس الوزراء يدعو الى اعتماد نسبة 14.1% لتحديد مخصصات ميزانية الإقليم واستحقاقاته الدستورية
کوردستان 05:50 PM - 2026-02-11 -
قوباد طالباني يبحث مع السفير الارميني سبل تطوير العلاقات الثنائية بين الجانبين
کوردستان 04:56 PM - 2026-02-11 -
خالد شواني: لن ينقل اي سجين من تنظيم داعش الارهابي الى سجون اقليم كوردستان
کوردستان 05:20 PM - 2026-02-11 -
الجمارك تعلن استجابة اقليم كوردستان لتوحيد التعرفة مع المنافذ الاتحادية
العراق 10:26 AM - 2026-02-12 -
مقتل واصابة عناصر من فصائل الحكومة المؤقتة جراء اشتباكات مسلحة في الرقة
العالم 05:30 PM - 2026-02-11 -
بسبب التوترات السياسية اسعار صرف الدولار غير مستقرة
إقتصاد 12:07 PM - 2026-02-12 -
مراكز إلايواء في كوباني..معاناة تتفاقم تحت الحصار
کوردستان 10:38 AM - 2026-02-12



تطبيق

