الخلاف الأمريكي الأوروبي… واستيقاظ الحلم العثماني بالتمدد

الآراء 04:55 PM - 2026-01-22
سوران الداودي

سوران الداودي

مع تصاعد مؤشرات التباعد بين الولايات المتحدة وأوروبا، وعودة الخطاب التصادمي الذي يقوده دونالد ترامب تجاه دول أوروبية وازنة كفرنسا وألمانيا، وحتى الدنمارك، تتعزز القناعة بأن النظام الغربي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية لم يعد بالتماسك الذي عُرف به لعقود. هذا التصدّع داخل التحالف الأطلسي لا يمكن عزله عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، ولا عن الأطراف الإقليمية التي تراقبه بوصفه فرصة لا تتكرر.
في مقدمة هذه القوى تقف تركيا، التي تبدو أكثر الأطراف استعدادًا لاستثمار لحظة الارتباك الغربي. فأنقرة، التي لطالما اشتكت من قيود الدور الوظيفي داخل المنظومة الغربية، ترى في الخلاف الأمريكي–الأوروبي نافذة لإعادة طرح مشروعها التوسعي، تحت عناوين مختلفة، أبرزها “العمق الاستراتيجي”، وما بات يُوصف إعلاميًا بـ“الحلم العثماني الجديد”.
تركيا اليوم لا تتحرك من موقع ردّ الفعل، بل من موقع التخطيط المدروس. ومع تراجع ثقة الأوروبيين بالمظلة الأمريكية، بدأت أنقرة تعيد توجيه بوصلتها العسكرية والسياسية بثبات. كانت الساحة السورية نقطة الانطلاق، حيث تجاوز التدخل التركي حدود الذرائع الأمنية المؤقتة، ليتحوّل إلى نفوذ ميداني طويل الأمد. ثم انتقلت أنقرة إلى القوقاز، حيث لعبت دورًا حاسمًا في معادلة الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، مثبتة حضورها في منطقة لطالما اعتُبرت جزءًا من المجال الحيوي الروسي.
غير أن خطورة المشهد لا تتوقف عند حدود التمدد الجغرافي. فالأعمق من ذلك هو التحول الذي طرأ على بنية الدولة التركية نفسها. فتركيا في عهد أردوغان لم تعد تكتفي بلعب دور الدولة الإقليمية المنضبطة بقواعد النظام الدولي، بل تسعى لتقديم نفسها كقوة بديلة، تمزج بين الإسلام السياسي، والقومية العثمانية، والبراغماتية العسكرية. هذا المزيج يمنحها قدرة عالية على المناورة بين واشنطن وموسكو، وبين أوروبا والعالم الإسلامي، مستفيدة من الانقسام الغربي غير المسبوق.
أوروبا، التي اعتادت النظر إلى تركيا بوصفها “حارس الحدود الشرقية لحلف الناتو”، تجد نفسها اليوم أمام معضلة معقدة. فالشريك التركي بات أكثر تمردًا، يمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، ولا يتردد في استخدام القوة خارج حدوده، في ظل وجود جاليات تركية واسعة في معظم الدول الأوروبية، إضافة إلى تهديد مباشر للمصالح الأوروبية في شرق المتوسط والبلقان. ومع استمرار التباين الأمريكي–الأوروبي، تتراجع قدرة الغرب على كبح هذا الاندفاع التركي، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، قد تصل في المراحل اللاحقة إلى احتكاك مباشر داخل القارة الأوروبية، سواء عبر النفوذ السياسي، أو الضغط غير المباشر، وربما حتى المواجهة المفتوحة.
إن الحديث عن عودة “الحلم العثماني” لا يعني استنساخ التاريخ بحرفيته، بقدر ما يعكس محاولة تركية لملء فراغ استراتيجي خلّفه تراجع الدور الغربي وتبدّل قواعد الصراع في معظم المفاصل السياسية الدولية. والسؤال الجوهري لم يعد: هل تتمدد تركيا؟ بل: من يملك اليوم القدرة، والأهم الإرادة، على وقف هذا التمدد في عالم لم تعد فيه القواعد القديمة صالحة، ولا التحالفات ثابتة؟
في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية المطلقة، تُعاد كتابة خرائط النفوذ من جديد، وتركيا تبدو وكأنها تقرأ هذه اللحظة جيدًا… وربما أفضل من كثيرين .

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket