الشرق الأوسط بين نبوءات التفكك وواقع الانهيار البطيء

الآراء 11:47 AM - 2026-01-02
عباس عبدالرزاق

عباس عبدالرزاق

قراءة في الحاضر على ضوء أفكار برنارد لويس ومن تبعه


لم تعد أطروحات المؤرخ البريطاني برنارد لويس حول تفكك الشرق الأوسط تُقرأ اليوم بوصفها فرضيات أكاديمية مثيرة للجدل، بل كعدسة تفسيرية قاسية لواقع يتكشف تدريجيًا. فالرجل الذي ربط مصير المنطقة بانهيار الدولة العثمانية وبالحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية، لم يكن ينظر إلى الخريطة السياسية بوصفها حقيقة نهائية، بل كترتيب مؤقت قابل للانكسار عند أول اختبار عميق للتماسك الداخلي.
اليوم، وبعد أكثر من قرن على اتفاقية سايكس–بيكو، يبدو أن ما تعجز عنه الجيوش قد تنجزه الأزمات البنيوية: دول قائمة شكليًا، لكن سيادتها مجزأة، وهوياتها الوطنية متصدعة، وقرارها السياسي موزع بين الداخل والخارج.


من «العودة القبلية» إلى الدولة الهشة


تنبؤ لويس بـ«العودة القبلية» لم يكن دعوة إلى التقسيم، بل تحذيرًا من انهيار الدولة الحديثة حين تفشل في دمج مكوناتها ضمن عقد اجتماعي جامع. وما نشهده اليوم في العراق وسوريا واليمن ولبنان ليس تفككًا جغرافيًا معلنًا، بل تفككًا وظيفيًا:
الدولة لا تحتكر السلاح، ولا تسيطر على الاقتصاد،
ولا تمثل جميع مواطنيها بالتساوي.
هذا النوع من الانهيار أخطر من التقسيم الرسمي، لأنه يُبقي الكيان موحدًا على الورق، لكنه مشرّعًا للصراعات الدائمة.


العراق وسوريا: وحدة معلّقة لا منتهية


في العراق، لم تتحقق نبوءة التقسيم الصريح، لكن الواقع أنتج صيغة وسطى: دولة مركزية ضعيفة، إقليم كردي شبه مستقل، ومناطق نفوذ مذهبية وسياسية تتحرك وفق توازنات إقليمية. مشاريع «التقسيم الناعم» التي طُرحت منذ 2006 لم تُنفذ حرفيًا، لكنها تحققت عمليًا عبر الفدرالية غير المتوازنة، واقتصاد ريعي، ونظام سياسي يعيد إنتاج الانقسام.
أما سوريا، فالوضع أكثر هشاشة: دولة استعادت جزءًا من الجغرافيا، لكنها لم تستعد الدولة بوصفها مؤسسة جامعة. تعدد مناطق السيطرة، وتداخل النفوذ الدولي، وغياب تسوية سياسية شاملة، يجعل وحدة سوريا أقرب إلى هدنة مفتوحة منها إلى استقرار دائم.


لماذا تعود خرائط التقسيم إلى الواجهة؟


اللافت أن أفكار تقسيم المنطقة تعود كلما انسدّ أفق الإصلاح. فحين تعجز الأنظمة عن التحول من سلطات أمنية إلى دول مواطنة، يصبح التفكيك، في المخيال الغربي على الأقل، «حلًا تقنيًا» للصراع، لا كارثة إنسانية.
من هنا نفهم لماذا طُرحت مشاريع مثل:  خيار البوسنة ،  أو الفدراليات الطائفية،  أو إعادة رسم الحدود على أسس إثنية.
هذه المقاربات لا تنطلق من فهم عميق للمجتمعات، بل من رغبة في إدارة الفوضى لا إنهائها.


التوقعات المستقبلية:
لا تقسيم غدًا… بل تآكل مستمر
السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور ليس إعلان دول جديدة، بل استمرار التآكل البطيء للدولة الوطنية:
1. تعزيز الهويات دون الوطنية على حساب الهوية الجامعة.
2. تصاعد الاقتصاديات المحلية المرتبطة بالقوة والسلاح.
3. تحوّل الفدرالية من أداة إدارة تنوع إلى غطاء لانفصال فعلي غير معلن.
4. بقاء الحدود كما هي، لكن بلا معنى سيادي حقيقي.
التقسيم، إن حدث، لن يكون قرارًا دوليًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمية لانهيار طويل، تُضفي عليه القوى الكبرى شرعية متأخرة.


 النبوءة ليست قدرًا


الخطورة في قراءة برنارد لويس ومن تبعه لا تكمن في أفكارهم بحد ذاتها، بل في تحوّل فشلنا الداخلي إلى دليل على صحتها. فالدول لا تتفكك لأن خرائطها مصطنعة فقط، بل لأنها فشلت في تحويل هذه الخرائط إلى أوطان عادلة.
البديل عن التقسيم ليس التمسك الأعمى بوحدة شكلية، بل إعادة بناء الدولة: دولة القانون، والمواطنة، والتمثيل الحقيقي. دون ذلك، ستبقى المنطقة تعيش بين سايكس–بيكو التي لم تمت، وخرائط جديدة لم تُولد بعد.

PUKMEDIA 

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket